فهرس الكتاب
(فَأَوْصِنَا) ،أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمُرْنَا بِمَا فِيهِ كَمَالُ صَلَاحِنَا وَإِرْشَادِنَا فِي مَعَاشِنَا وَمَعَادِنَا بَعْدَ وَفَاتِكَ (فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ) ،أَيْ: بِمَخَافَتِهِ وَالْحَذَرِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبِلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] ،أَيْ: بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ وَهِيَ تَقْوَى الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَتَقْوَى مَا سِوَى اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّ التَّقْوَى امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَهِيَ زَادُ الْآخِرَةِ تُنْجِيكُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَبَدِيِّ وَتُبَلِّغُكُمْ إِلَى دَارِ السُّرُورِ، وَتُوجِبُ الْوُصُولَ إِلَى عَتَبَةِ الْجَلَالِ وَالْقُدْسِ وَالنُّورِ.
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مَنِ التُّقَى ... وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ... وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
لْتَزَمَ تَقْوَى اللَّهِ وَقَبِلَ طَاعَةَ مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُهَيِّجِ الْفِتَنَ أَمِنَ بَعْدِي مِمَّا يَرَى مِنَ الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ وَتَشَعُّبِ الْآرَاءِ وَوُقُوعِ الْفِتَنِ اهـ.
وَكَتَبَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ تَحْتَهُ: وَفِيهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ نَظَرِهِ ظَاهِرًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ ظُهُورِ وَجْهِ السَّبَبِيَّةِ، وَثَانِيهِمَا: عَدَمُ وُجُودِ الْأَنْسَبِيَّةِ بَلِ الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وَالْمَعْنَى الْزَمُوا مَا قُلْتُ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي لَا مُخَلِّصَ لَهُ إِلَّا نَصِيحَتِي (فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ،أَيْ: مِنْ مِلَلٍ كَثِيرَةٍ كَلٌّ يَدَّعِي اعْتِقَادًا غَيْرَ اعْتِقَادِ الْآخَرِ إِشَارَةٌ إِلَى ظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ أَوِ اخْتِلَافًا عَلَى الْمُلْكِ وَغَيْرِهِ كَثِيرًا يُؤَدِّي إِلَى الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي وَوَلَايَةُ الْأَخِسَّاءِ حَتَّى الْعَبِيدِ (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي) :اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْزَمُوا، أَيْ: بِطَرِيقَتِي الثَّابِتَةِ عَنِّي وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ) :فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي، فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهِمْ إِمَّا لِعَمَلِهِمْ بِهَا أَوْ لِاسْتِنْبَاطِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهَا (الْمَهْدِيِّينَ) ،أَيِ: الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْحَقِّ. قِيلَ: هُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ:" «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً» ".وَقَدِ انْتَهَتْ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَوَصْفُ الرَّاشِدِينَ بِالْمَهْدِيِّينَ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْخَلْقَ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يُشْعِرُهُمْ، الصِّدِّيقُ، وَالْفَارُوقُ، وَذُو النُّورَيْنِ، وَأَبُو تُرَابٍ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ وَوَاظَبُوا عَلَى اسْتِمْطَارِ الرَّحْمَةِ مِنَ السَّحَابَةِ