فهرس الكتاب
النَّبَوِيَّةِ، وَخَصَّهُمُ اللَّهُ بِالْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَنَاقِبِ السَّنِيَّةِ، وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَشَاقِّ الْأَسْفَارِ وَمُجَاهَدَةِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ الْعُظْمَى وَالتَّصَدِّي إِلَى الرِّئَاسَةِ الْكُبْرَى لِإِشَاعَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ أَعْلَامِ الشَّرْعِ الْمَتِينِ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمْ وَازْدِيَادًا لِمَثُوبَاتِهِمْ، فَخَلَفَ الصِّدِّيقُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ لِحِلْمِهِ وَوَقَارِهِ وَسَلَامَةِ نَفْسِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ، وَالنَّاسُ مُتَحَيِّرُونَ، وَالْأَمْرُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَحَمَى بَيْضَةَ الدِّينِ، وَدَفَعَ غَوَائِلَ الْمُرْتَدِّينَ، وَجَمَعَ الْقُرْآنَ، وَفَتَحَ بَعْضَ الْبُلْدَانِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ الْفَارُوقَ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَقِرٌّ وَالْقَوْمَ مُطِيعٌ وَالْفِتَنَ سَاكِنَةٌ، فَرَفَعَ رَايَاتِ أَنَّ الْأَضْرَاسَ عِشْرُونَ شَامِلَةً لِلضَّوَاحِكِ وَالطَّوَاحِنِ وَالنَّوَاجِذِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَضُّ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةٍ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا أَخْذًا شَدِيدًا يَأْخُذُهُ بِأَسْنَانِهِ أَوِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ كَمَنْ أَصَابَهُ أَلَمٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فَيَشْتَدُّ بِأَسْنَانِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حَالَ الْمُتَمَسِّكِ بِالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَيْهِ بِحَالِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِشَيْءٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يَسْتَعِينُ عَلَيْهِ اسْتِظْهَارًا لِلْمُحَافَظَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْصِيلَ السَّعَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ بَعْدَ مُجَانَبَةِ كُلِّ صَاحِبٍ يُفْسِدُ الْوَقْتَ، وَكُلِّ سَبَبٍ يَفْتِنُ الْقَلْبَ مَنُوطٌ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَمْتَثِلَ الْأَمْرَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْإِخْلَاصِ، وَيُعَظِّمَ النَّهْيَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْخَوْفِ، بَلْ بِاقْتِفَاءِ آثَارِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ وَمَصَادِرِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَيَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ، حَتَّى يُلْجِمَ النَّفْسَ بِلِجَامِ الشَّرِيعَةِ، وَيَتَجَلَّى فِي الْقَلْبِ حَقَائِقُ الْحَقِيقَةِ بِتَصْقِيلِهِ مِنْ مَفَاتِحِ الْأَخْلَاقِ وَتَنْوِيرِهِ بِأَنْوَارِ الذِّكْرِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْوِفَاقِ، وَتَعْدِيلِهِ بِإِجْرَاءِ جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ عَلَى قَانُونِ الْعَدْلِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهِ هَيْئَةً عَادِلَةً مَسْنُونَةً مِنْ آثَارِ الْفَضْلِ، يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ الْمَخْصُوصُ بِسُلُوكِ أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ، هَذَا وَقِيلَ: تَمَسَّكُوا وَعَضُّوا فِعْلَا مَاضٍ صِفَتَانِ لِلْخُلَفَاءِ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) :عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فَعَلَيْكُمْ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ، أَيِ: احْذَرُوا عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي أُحْدِثَتْ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَاتَّقُوا أَحْدَاثَهَا (فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ