فهرس الكتاب

الصفحة 582 من 1902

الأمة, وهذا فضلًا عن أنه من الملاحظ أن يحدث في كثير من البلاد خضوع الأغلبية البرلمانية لسيطرة عدد قليل من الزعماء والساسة, يوجهونها حسب أهوائهم, وميولهم, وقد تكون هذه الميول والأهواء لا تتوافر في أكثر الأحوال مع ميول الجماهير الذين ينوبون عنهم, وإن ادعوا كذبًا أنهم يعبرون عن مصالح جماهير الأمة.

السبب الثاني من أسباب عدم صحة ادعاء أن التنظيمات والبرلمانات تمثل الشعب كله تمثيلًا صحيحًا, فساد الانتخابات في كثير من الأحوال: فإنه مهما قيل عن حرية الانتخابات, وعدم تدخل الإرادة فيها, فإنها في الواقع لا تخلو من استعمال طرق كثيرة فيها غير مشروعة, من الغش, وخداع الجماهير, وإغرائهم بالرشوة, والتغرير بهم, بقصد كسب أصواتهم مما يؤثر في نتيجة الانتخابات تأثيرًا كبيرًا.

السبب الثالث: أننا لو سلمنا جدلًا بأن الانتخابات تتم بطريقة نظيفة خالية مما يشوبها مما ذكرناه آنفًا, وفرضنا أن البرلمان يمثل فعلًا إرادة أغلبية الناخبين, فإننا لا نسلم أن يقال: إن البرلمان يمثل جماهير الأمة طوال الوقت؛ لأن اختلاف النزاعات في الجماهير, واتجاهاتهم المتباينة, قد يجعل من المقبول الادعاء بأن البرلمان يمثلهم في بعض مسائل معينة لمدة قصيرة, وأن الادعاء بأن البرلمان يمثل جماهير الأمة طوال الوقت فإن هذا لا يعدو أن يكون نوعًا من السيادة للنائبين على المنوب عنهم.

وبعد فقد تبين مما ذكرناه أن ادعاء أن التنظيمات البرلمانية تمثل إرادة الجماهير, وتعبر عن الرأي العام, ادعاء غير مُسَلم؛ للأسباب التي ذكرناها, يتبين لنا مما سبق أن تخصيص جماعة معينة في النظام الإسلامي لانتخاب رئيس الدولة هو نوع من المثالية التي ينشدها الإسلام في تشريعاته, يعني كون هناك جهة معينة, أو جماعة معينة, يطلق عليهم أهل الحل والعقد, يقومون باختيار رئيس الدولة, هذا هو الأمر المهم, وهذا أفضل بكثير مما هو موجود في القوانين الوضعية, ونظم الانتخابات الوضعية, التي تبين لنا فشلها فيما قدمنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت