فهرس الكتاب
يكونُونَ متقاربين فِي التَّفَاضُل لَا يبين التَّفَاوُت بَينهم فَبَطل معرفَة الْأَفْضَل وَصَحَّ أَن هَذَا القَوْل فَاسد وتكليف مَا لَا يُطَاق وإلزام مَا لَا يُسْتَطَاع وَهَذَا بَاطِل لَا يحل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ قد وجدنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قلد النواحي وَصرف تَنْفِيذ جَمِيع الْأَحْكَام الَّتِي تنفذها الْأَئِمَّة إِلَى قوم كَانَ غَيرهم بِلَا شكّ أفضل مِنْهُم فَاسْتعْمل على أَعمال الْيمن معَاذ بن جبل وَأَبا مُوسَى وخَالِد بن الْوَلِيد وَعلي عمان عَمْرو بن الْعَاصِ وعَلى نَجْرَان أَبَا سُفْيَان وعَلى مَكَّة عتاب ابْن أسيد وعَلى الطَّائِف عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وعَلى الْبَحْرين الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وَلَا خلاف فِي أَن أَبَا بكر وَعَمْرو وَعُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر بن عمار بن يَاسر وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبا عُبَيْدَة وَابْن مَسْعُود وبلال وَأَبا ذَر أفضل مِمَّن ذكرنَا فصح يَقِينا أَن الصِّفَات الَّتِي يسْتَحق بهَا الْإِمَامَة والخلافة لَيْسَ مِنْهَا التَّقَدُّم فِي الْفضل وَأَيْضًا فَإِن الْفَضَائِل كَثِيرَة جدا مِنْهَا الْوَرع والزهد وَالْعلم والشجاعة والسخاء والحلم والعفة وَالصَّبْر والصرامة وَغير ذَلِك وَلَا يُوجد أحد يبين فِي جَمِيعهَا بل يكون بَائِنا فِي بَعْضهَا ومتأخراً فِي بَعْضهَا فَفِي أَيهَا يُرَاعِي الْفضل من لَا يُجِيز إِمَامَة الْمَفْضُول فَإِن اقْتصر على بَعْضهَا كَانَ مُدعيًا بِلَا دَلِيل وَإِن عَم جَمِيعهَا كلف من لَا سَبِيل إِلَى وجوده أبدا فِي أحد بعد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَإذْ لَا شكّ فِي ذَلِك فقد صَحَّ القَوْل فِي إِمَامَة الْمَفْضُول وَبَطل قَول من قَالَ غير ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق" [1] "
قال ابن القيم:"وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَدْيَهُ - صلى الله عليه وسلم - تَوْلِيَةُ الْأَنْفَعِ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ" [2]
وعلى هذا سار خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم في توليتهم الأمراء فهم لا يشترطون الأفضل، قال ابن حجر عن عمر رضي الله عنه: (والَّذِي يَظهَر مِن سِيرَة عُمَر فِي أُمَرائِهِ الَّذِينَ كانَ يُؤَمِّرهُم فِي البِلاد، أَنَّهُ كانَ لا يُراعِي الأَفضَل فِي الدِّين فَقَط بَل يُضَمّ إِلَيهِ مَزِيد المَعرِفَة بِالسِّياسَةِ مَعَ اجتِناب ما يُخالِف الشَّرع مِنها، فَلأَجلِ هَذا استَخلَفَ مُعاوِيَة والمُغِيرَة بن شُعبَة
(1) - الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 128)
(2) - إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 83) .