فهرس الكتاب
أما استدلالهم بترتيب الخلافة للخلفاء الراشدين على حسب أفضليتهم فهذا صحيح ومسلم به، إلا أنه ليس فيه دلالة على منع تولية المفضول، بل هناك الشواهد من أقوالهم تدل على خلاف ذلك كما مر في ذكر أدلة الآخرين.
أما قولهم إن الأفضل أقرب إلى انقياد الجماهير له فهذا غير مسلم به، إذ ربما يكون المفضول أقدر على القيام بمصالح الإمامة، ونصبه أوقع لانتظام حال الرعية وأوثق في اندفاع الفتنة.
أما كون العقل يقبح تقديم المفضول على الأفضل فغير مسلم به، لأن الهدف من إقامة الخلافة هو تحقيق مقاصدها، فالأقدر على تحقيق هذه المقاصد هو الأولى بالتنصيب سواء كان هو الأفضل أم المفضول.
الرأي الراجح:
فالذي يترجح عندي هو: أن الأقدر على تحقيق أهداف الإمامة هو الأولى بالتنصيب سواء كان فاضلاً أو مفضولاً، لأنه إذا كان صالحًا في نفسه ضعيفًا في تدبير الأمور أثر هذا الضعف على جميع الأمة، أما إذا كان قويًا في سياسته وحسن تدبيره وعنده شيء من التقصير في الطاعة فإن هذا التقصير ترجع مضرته على نفسه دون الأمة، فهو أولى بالتقديم، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» [1]
هذا أبو ذر، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا تُقِلُّ الْغَبْرَاءُ، وَلَا تُظِلُّ الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ، وَأَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شَبِيهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ» ،قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَفَنَعْرِفُ ذَلِكَ لَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ،فَاعْرِفُوا لَهُ". [2] "
(1) - صحيح مسلم (3/ 1457) 16 - (1825)
[ش (إنك ضعيف وإنها أمانة) هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلا لها أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويقضحه ويندم على ما فرط وأما من كان أهلا للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة]
(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (16/ 84) (7135) صحيح