فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 1902

وعَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالاَ: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا"قَالَتْ: «فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» أخرجه البخاري ومسلم [1] ."

(1) - صحيح البخاري (1/ 95) (435) وصحيح مسلم (1/ 376) 19 - (529)

(نزل) أي نزلت به سكرات الموت. (طفق) جعل وشرع. (يطرح خميصة) يلقي كساء مربعا أسود له أعلام أي خطوط. (اغتم) تسخن وأخذ بنفسه من شدة الحر. (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) صاروا يصلون إليها (يحذر ما صنعوا) يحذر أمته أن يصنعوا بقبره مثل ما صنعوا]

سَبَبُ لَعْنِهِمْ إِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ تَعْظِيمًا لَهُمْ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْجَلِيُّ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَدَافِنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالسُّجُودَ عَلَى مَقَابِرِهِمْ، وَالتَّوَجُّهَ إِلَى قُبُورِهِمْ حَالَةَ الصَّلَاةِ؛ نَظَرًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ لِتَضَمُّنِهِ مَا يَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ مَخْلُوقٍ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَنَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِمُشَابَهَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ سُنَّةَ الْيَهُودِ، أَوْ لِتَضَّمُنِهِ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ: (يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا) ،وَقَالَ الْقَاضِي: كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَسْجُدُونَ لِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ وَيَجْعَلُونَهَا قِبْلَةً، وَيَتَوَجَّهُونَ فِي الصَّلَاةِ نَحْوَهَا، فَقَدِ اتَّخَذُوهَا أَوْثَانًا، فَلِذَلِكَ لَعَنَهُمْ، وَمَنَعَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مِثلِ ذَلِكَ، أَمَّا مَنِ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي جِوَارِ صَالِحٍ، أَوْ صَلَّى فِي مَقْبَرَةٍ وَقَصَدَ الِاسْتِظْهَارَ بِرُوحِهِ، أَوْ وَصُولَ أَثَرٍ مَا مِنْ أَثَرِ عِبَادَتِهِ إِلَيْهِ، لَا لِلتَّعْظِيمِ لَهُ وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَرْقَدَ إِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ الْحَطِيمِ، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ الْمَسْجِدَ أَفْضَلُ مَكَانٍ يَتَحَرَّى الْمُصَلِّي لِصَلَاتِهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ مُخْتَصُّ بِالْقُبُورِ الْمَنْبُوشَةِ، لِمَا فِيهَا مِنَ النَّجَاسَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَذِكْرَ غَيْرُهُ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَأَنَّ فِي الْحَطِيمِ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَزَمْزَمَ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَفِيهِ أَنَّ صُورَةَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَغَيْرِهِ مُنْدَرَسَةٌ فَلَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ.

وَقَالَ ابْنِ حَجَرٍ: أَشَارَ الشَّارِحُ إِلَى اسْتِشْكَالِ الصَّلَاةِ عِنْدَ قَبْرِ إِسْمَاعِيلَ، بِأَنَّهَا تُكْرَهُ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَأَجَابَ: بِأَنَّ مَحِلَّهَا فِي مَقْبَرَةٍ مَنْبُوشَةٍ لِنَجَاسَتِهَا، وَكُلُّهِ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: يُسْتَثْنَى مَقَابِرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا يُكَرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَجَوَابُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَصْرِيحِهِمْ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي مَقْبَرَةِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْ لَمْ تُنْبَشْ لِأَنَّهُ مُحَاذٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَمُحَاذَاتُهَا فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فَوْقَهُ أَوْ خَلْفَهُ أَوْ تَحْتَ مَا هُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ.

وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ فَكَرِهَهَا جَمَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَتِ التُّرْبَةُ طَاهِرَةً وَالْمَكَانُ طَيِّبًا، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي بَعْدَهُ، وَقِيلَ: بِجَوَازِهَا فِيهَا، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْغَالِبَ مَنْ حَالِ الْمَقْبَرَةِ اخْتِلَاطُ تُرْبَتِهَا بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهَا، وَالنَّهْيُ لِنَجَاسَةِ الْمَكَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ الْمَزْبَلَةُ وَالْمَجْزَرَةُ وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ، وَفِي الْقَارِعَةِ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَارَّةِ يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بِالْمَقْبَرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ هُوَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ؟ وَمَذْهَبُنَا الْأَوَّلُ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، بَلْ وَعَدَمُ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ فِي الْأَمْكِنَةِ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ وَالْبُطْلَانَ كَالْأَزْمِنَةِ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 600) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت