فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 1902

وقَالَ الشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّه:وَأَكْرَه أَنْ يُعَظَّم مَخْلُوق حَتَّى يُجْعَل قَبْره مَسْجِدًا مَخَافَة الْفِتْنَة عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ بَعْده مِنْ النَّاس. [1]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رواه أهل السنن [2] .

وفي مشكل الآثار:"بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي لَعْنِهِ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ"

فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ، فَوَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ إِبَاحَتِهِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، وَوَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَالسُّرُجِ مَعَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْوُصُولُ إِلَى ذَلِكَ بِالزِّيَارَةِ لِلْقُبُورِ الْمُتَّخَذِ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَتَكُونُ الزِّيَارَةُ لِلْقُبُورِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَّخَذًا قَبْلَهَا مُبَاحَةً فَنَظَرْنَا فِيمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي إِبَاحَتِهِ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَنْهِيًّا عَنْهَا، فعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ، فَنَزَلَ بِنَا، وَنَحْنُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا

(1) - شرح النووي على مسلم (7/ 38)

(2) - السنن الكبرى للنسائي (2/ 469) (2181) وسنن أبي داود (3/ 218) (3236) وسنن الترمذي ت شاكر (2/ 136) (320) وحسنه وصحيح ابن حبان - مخرجا (7/ 453) (3180) ومسند أحمد ط الرسالة (4/ 363) (2603) حسن لغيره - دون السرج- فهي ضعيفة

فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: هَذَا كَانَ قَبْلَ التَّرَخُّصِ، فَلَمَّا رُخِّصَ دَخْلَ فِي الرُّخْصَةِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَقِيلَ: بَلْ نَهْيُ النِّسَاءِ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ بَاقٍ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ، وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ إِذَا رَأَيْنَ الْقُبُورَ اهـ، وَمُرَادُهُ بِالتَّرَخُّصِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا لِأَنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» ) ،وَيُمْكِنُ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى عَجَائِزَ مُتَطَيِّبَاتٍ، وَمُتَزَيِّنَاتٍ، أَوْ عَلَى شَوَابَّ وَلَوْ فِي ثِيَابِ بِذْلَتِهِنَّ لِوُجُودِ الْفِتْنَةِ فِي خُرُوجِهِنَّ عَلَى قِيَاسِ كَرَاهَةِ خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ جَمْعَ زَوَّارَةٍ وَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ زَارَ مِنْهُنَّ عَلَى الْعَادَةِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَلْعُونَاتِ اهـ.

وَيُسْتَثْنَى زِيَارَةُ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ هَذَا الْعُمُومِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، (وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ) :قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا حُرِّمَ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ فِيهَا اسْتِنَانًا بِسُنَّةِ الْيَهُودِ اهـ. وَقَيْدُ"عَلَيْهَا"يُفِيدُ أَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ بِجَنْبِهَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ» ) ، (وَالسُّرُجَ) :جَمْعَ سِرَاجٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ السُّرُجِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لِأَحَدٍ مِنَ السِّرَاجِ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَثَارِ جَهَنَّمَ، وَإِمَّا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ، كَالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 619) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت