ويَنْبَغِي عَلَى الْمُسْتَشَارِ أَنْ يُشِيرَ إِلَى مَا فِيهِ رُشْدُ الْمُسْتَشِيرِ وَخَيْرُهُ، فَإِنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ صَوَابٍ فَقَدْ غَشَّهُ فِي مَشُورَتِهِ، وَخَانَهُ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ، وَذَلِكَ لِمَا جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ رُشْدٍ، فَقَدْ خَانَهُ، وَمَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبْتٍ، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" [1]
أَيِ الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ الْمَشُورَةُ وَالرَّأْيُ فِيمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ أَمِينٌ فِيمَا يُسْأَل مِنَ الأُْمُورِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَخُونَ الْمُسْتَشِيرَ بِكِتْمَانِ مَصْلَحَتِهِ. [2]
فالمستشار مؤتمن في الاستشارة، فلا يحابي أحدا، أو يتبع أهواء الناس، بل يؤدي النصيحة والمشورة التي توافق شرع الله تعالى.
وأما إذا اتبع المستشار هواه في المشورة، ونصر باطلا فقد خان في المشورة، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ الطُّنْبُذِيِّ، رَضِيعِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا فِي جَهَنَّمَ وَمَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ وَمَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ"رواه أبو داود [3]
ولهذا يجب اقتصار الشورى على الأتقياء الأمناء المجاهدين ولا يجوز إدخال من لا يتقي الله ولا يؤتمن في المشورة أو في غيرها، وقد قَالَ سُفْيَانُ: «عَلَيْكَ بِالْقَصْدِ فِي مَعِيشَتِكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَتَشَبَّهَ بِالْجَبَابِرَةِ، وَعَلَيْكَ بِمَا لَا يُقْرِفُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَرْكَبِ، وَلْيَكُنْ أَهْلُ
(1) - مسند أحمد ط الرسالة (14/ 17) (8266) فيه ضعف
(2) - الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (31/ 227)
(3) - سنن أبي داود (3/ 321) (3657) وجامع بيان العلم وفضله (2/ 860) (1625و1891) والجامع الصحيح للسنن والمسانيد (5/ 898،بترقيم الشاملة آليا) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 215) (436) حسن
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا عُدِّيَ"أَشَارَ"بِ"عَلَى"كَانَ بِمَعْنَى الْمَشُورَةِ، أَيِ: اسْتَشَارَهُ وَسَأَلَهُ كَيْفَ أَفْعَلُ هَذَا الْأَمْرَ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: أَشَارَ عَلَيْهِ بِكَذَا أَمَرَهُ، وَاسْتَشَارَ: طَلَبَهُ الْمَشُورَةَ، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى: مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ وَهُوَ مُسْتَشِيرٌ، وَأَمَرَ الْمُسْتَشِيرَ بِأَمْرٍ (يَعْلَمُ) :وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ (أَنَّ الرُّشْدَ) أَيِ: الْمَصْلَحَةَ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ (فَقَدْ خَانَهُ) أَيْ: خَانَ الْمُسْتَشَارُ الْمُسْتَشِيرَ إِذْ وَرَدَ: أَنَّ" «الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ» "وَ" «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ".مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 318)