فهرس الكتاب
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ» متفقٌ عليه [1]
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:"كُلَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ فِي صَاحِبِهَا أَكْمَلَ كَانَتْ حَيَاتُهُ أَقْوَى وَأَتَمَّ، وَلِهَذَا كَانَ خَلْقُ الْحَيَاءِ مُشْتَقًّا مِنَ الْحَيَاةِ اسْمًا وَحَقِيقَةً، فَأَكْمَلُ النَّاسِ حَيَاةً: أَكْمَلُهُمْ حَيَاءً، وَنُقْصَانُ حَيَاءِ الْمَرْءِ مِنْ نُقْصَانِ حَيَاتِهِ، فَإِنَّ الرُّوحَ إِذَا مَاتَتْ لَمْ تُحِسَّ بِمَا يُؤْلِمُهَا مِنَ الْقَبَائِحِ، فَلَا تَسْتَحِي مِنْهَا، فَإِذَا كَانَتْ صَحِيحَةَ الْحَيَاةِ أَحَسَّتْ بِذَلِكَ، فَاسْتَحْيَتْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالصِّفَاتِ الْمَمْدُوحَةِ تَابِعَةٌ لِقُوَّةِ الْحَيَاةِ، وَضِدِّهَا مِنْ نُقْصَانِ الْحَيَاةِ، وَلِهَذَا كَانَتْ حَيَاةُ الشُّجَاعِ أَكْمَلَ مِنْ حَيَاةِ الْجَبَانِ، وَحَيَاةُ السَّخِيِّ أَكْمَلَ مِنْ حَيَاةِ الْبَخِيلِ، وَحَيَاةُ الْفَطِنِ الذَّكِيِّ أَكْمَلَ مِنْ حَيَاةِ الْفَدْمِ الْبَلِيدِ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَكْمَلَ النَّاسِ حَيَاةً حَتَّى إِنَّ قُوَّةَ حَيَاتِهِمْ تَمْنَعُ الْأَرْضَ أَنْ تُبْلِيَ أَجْسَامَهُمْ كَانُوا أَكْمَلَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ." [2]
(1) - صحيح البخاري (1/ 14) (24) وصحيح البخاري (8/ 29) (6118) وصحيح مسلم (1/ 63) 59 - (36)
وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ) أَيْ: يَنْصَحُهُ (فِي الْحَيَاءِ) :بِأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ الرِّزْقَ وَيَمْنَعُ الْعِلْمَ عَلَى مَا رُوِيَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يُنْذِرُهُ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَعْظُ زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفِهِ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ التَّذْكِيرُ بِالْخَيْرِ فِيمَا يَرِقُّ لَهُ الْقَلْبُ اهـ كَلَامُهُ. وَالْوَعْظُ هُنَا بِمَعْنَى الْعِتَابِ لِمَا جَاءَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُلٍ وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَيَسْتَحْيِي يَعْنِي كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:دَعْهُ) أَيِ: اتْرُكْهُ عَلَى حَالِهِ مِنْ كَثْرَةِ الْحَيَاءِ (فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ) أَيْ: بَعْضِهِ أَوْ مِنْ شُعَبِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعِظُهُ فِي الْحَيَاءِ أَيْ: يَنْهَاهُ عَنْهُ وَيُقَبِّحُ لَهُ فِعْلَهُ وَيَزْجُرُهُ عَنْ كَثْرَتِهِ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ. أَيْ: دَعْهُ عَلَى فِعْلِ الْحَيَاءِ، وَكُفَّ عَنْ نَهْيِهِ، وَوَقَعَتْ لَفْظَةُ (دَعْهُ) فِي الْبُخَارِيِّ وَلَمْ تَقَعْ فِي مُسْلِمٍ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3171)
(2) - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 249)