فهرس الكتاب
وَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ رَأْيَهُ وَوَجَّهَ رَأْيَهُ، فَأَيُّ الْآرَاءِ كَانَ أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَمِلَ بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] ." [1] "
وقال القرطبي رحمه الله"وَالشُّورَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْآرَاءِ، وَالْمُسْتَشِيرُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ الْخِلَافِ، وَيَنْظُرُ أَقْرَبَهَا قَوْلًا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِنْ أَمْكَنَهُ، فَإِذَا أَرْشَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَا شَاءَ مِنْهُ عَزَمَ عَلَيْهِ وَأَنْفَذَهُ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ، إِذْ هَذِهِ غَايَةُ الِاجْتِهَادِ الْمَطْلُوبِ، وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ." [2] .
وإذا خالف بعض أهل الشورى الإمام ولم يوافقوه على القول الذي اختاره وارتضاه، ورأوا أنه مخالف للصواب، وأن المصلحة الشرعية لا تتحقق به ففي هذه الحالة يفصل النزاع بالقضاء الشرعي، ولايطاع الأمير في اختياره حتى يفصل القضاء فيه، ويثبت مشروعيته وصحته، وإذا حكم القضاء بمخالفة اختيار الأمير لشرع الله ولقواعده وأصوله العامة، وبين أصوب أقوال أهل الشورى، ففي هذه الحالة يجب على الإمام أن يعمل بالقول الصحيح من أقوال أهل الشورى، الذي أقره وأكد صحته القضاء الشرعي، وقد قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] ،قال الإمام ابن جرير رحمه الله"يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَإِنِ اخْتَلَفْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ أَنْتُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ أَوْ أَنْتُمْ وَوُلَاةُ أَمْرِكُمْ فَاشْتَجَرْتُمْ فِيهِ {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ} [النساء:59] يَعْنِي بِذَلِكَ: فَارْتَادُوا مَعْرِفَةَ حُكْمِ الَّذِي اشْتَجَرْتُمْ أَنْتُمْ بَيْنَكُمْ أَوْ أَنْتُمْ وَأُولُو أَمْرِكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ: مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَاتَّبِعُوا مَا وَجَدْتُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالرَّسُولِ} [آل عمران:32] فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ سَبِيلًا، فَارْتَادُوا مَعْرِفَةَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ إِنْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَمِنْ سُنَّتِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء:59] يَقُولُ:"افْعَلُوا ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ
(1) - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ط2 (ص:246)
(2) - تفسير القرطبي (4/ 252)