فهرس الكتاب
والإجماع كذلك وينعقد الإجماع برأي الأكثرية كما أن كثرة الرواة ترجح صدق الرواية وكذلك، كثرة المجتهدين في جانب واحد ترجح صحة رأيهم كذلك.
فالإجماعات التي نقلت عن عهد الصحابة إنما هي اتفاق الأكثر، وأخيراً يقولون: إن الكثرة ليست مناط الصواب أو حتى دليلاً قاطعاً أو راجحاً عليه، إذ أن صواب الرأي أو خطأه يستمدان من ذات الرأي لا من كثرة أو قلة القائلين، ويستدل أصحاب هذا الرأي بآيات من القرآن تذهب حسب زعمهم إلى أن الكثرة جاهلة وأنها مذمومة فمنها قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف:187] ومنها قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود:17] ومنها قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة:243] ومنها: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] ومنها: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس:36] ومنها قوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام:116] ومنها قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام:111] ومنها قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص:24] ومنها قوله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة:100] .
وقد ناقش الاستدلال بهذه الآيات الدكتور عبدالحميد الأنصاري وقال: إن قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) وردت في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم منها الآية (21) من سورة يوسف وهي قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:21] فالسياق يعدد نعم الله على يوسف عليه السلام وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس يتجاهلون هذه الحقيقة ولا يقدر نعمة الله عليه بسبب انصرافهم إلى شؤون الدنيا، وواضح أنه لا علاقة للآية بموضوعنا (أي موضوع الشورى) أما الآية (40) من سورة يوسف فقد ورد فيها {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:40] وواضح أن الآية في شأن غير