فهرس الكتاب
وعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ:"قُمْ عَلَى صَدَقَةِ بَنِي فُلَانٍ، وَانْظُرْ لَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَكْرٍ تَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِكَ، أَوْ عَلَى كَاهِلِكَ لَهُ رُغَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اصْرِفْهَا عَنِّي فَصَرَفَهَا عَنْهُ"رواه أحمد [1] ."
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» رواه أبو داود [2] .
وعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ،قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: «وَمَا لَكَ؟» قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «وَأَنَا أَقُولُهُ الْآنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى» رواه مسلم [3]
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشْرَةٍ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أُتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْثَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أحمد [4] .
(1) - صحيح ابن حبان - محققا (8/ 64) (3270) والمعجم الكبير للطبراني (6/ 17) (5363) ومسند أحمد ط الرسالة (37/ 127) (22461) صحيح لغيره
(2) - سنن أبي داود (3/ 134) (2943) صحيح
أَيْ جَعَلْنَاهُ عَامِلًا (عَلَى عَمَلٍ) :أَيْ مِنْ أَعْمَالِ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ (فَرَزَقْنَاهُ) :أَيْ فَأَعْطَيْنَاهُ (رِزْقًا) :أَيْ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا (فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ) :جَزَاءُ الشَّرْطِ، وَ (مَا) مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَقَوْلُهُ (فَهُوَ غُلُولٌ) خَبَرُهُ جِيءَ بِالْفَاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَيَجُوزَ أَنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً، وَالْغُلُولُ بِضَمَّتَيْنِ: الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ وَفَى مَالِ الْفَيْءِ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2435) "
(3) - صحيح مسلم (3/ 1465) 30 - (1833) [ش (مخيطا) هو الإبرة]
مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ) أَيْ جَعَلْنَاهُ عَامِلًا (عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا) أَيْ أَخْفَى عَلَيْنَا (مِخْيَطًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ أَيْ إِبْرَةً (فَمَا فَوْقَهُ) أَيْ فَشَيْئًا يَكُونُ فَوْقَهُ فِي الصِّغَرِ أَوِ الْكِبَرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ"فَمَا فَوْقَهُ"لِلتَّعْقِيبِ عَلَى التَّوَالِي، وَمَا فَوْقَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَعْلَى أَوِ الْأَدْنَى كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26] وَذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ اسْتِطْرَادًا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي ذِكْرِ الْعَمَلِ وَالْخِيَانَةِ (كَانَ) أَيْ ذَلِكَ الْكِتْمَانُ (غُلُولًا) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خِيَانَةً فِي الْغَنِيمَةِ (يَأْتِي بِهِ) أَيْ بِمَا غَلَّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) تَفْضِيحًا لَهُ، قَالَ - تَعَالَى - {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:161] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1271)
(4) - المعجم الكبير للطبراني (8/ 173) (7724) ومسند أحمد ط الرسالة (36/ 635) (22300) صحيح لغيره
إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)؛أَيْ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ، أَوْ مَلَائِكَتُهُ حَالَ كَوْنِهِ (مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ: إِلَّا أَتَى اللَّهَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ) ؛أَيْ مُنْضَمَّةٌ إِلَيْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (يَدُهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِ (مَغْلُولًا) ، (وَإِلَى عُنُقِهِ) حَالٌ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّقًا بِ (مَغْلُولًا) ،وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَ (إِلَى عُنُقِهِ) خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ إِمَّا مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ حَالٌ بَعْدَ حَالٍ، وَحِينَئِذٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؛إِمَّا ظَرْفٌ لَ (أَتَاهُ) وَهُوَ الْأَوْجَهُ، أَوْ لِ (مَغْلُولًا) ،وَإِذَا كَانَتْ مُسْتَأْنَفَةً كَانَتْ بَيَانًا لِ (مَغْلُولًا) ،وَالْجُمْلَتَانِ مُسْتَأْنَفَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ لِلْمَجْمُوعِ، كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ كَيْفِيَّةِ هَيْئَةِ الْمَغْلُولِ؟ فَأُجِيبَ: يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ سَأَلَ ثَانِيًا: فِيمَا يَجْرِي عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُجِيبَ: (فَكَّهُ بِرُّهُ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ خَلَّصَهُ عَدْلُهُ وَإِحْسَانُهُ (أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ) ؛أَيْ أَهْلَكَهُ ظُلْمُهُ وَعِصْيَانُهُ (أَوَّلُهَا) ؛أَيِ ابْتِدَاءُ الْإِمَارَةِ (مَلَامَةٌ) ؛أَيْ عِنْدِ أَهْلِ السَّلَامَةِ (وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ) ؛أَيْ لِلنَّفْسِ الْلَوَّامَةِ (وَآخِرُهَا) ؛أَيْ نَتِيجَتُهَا (خِزْيٌ) ؛أَيْ فَضِيحَةٌ تَامَّةٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فَإِنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ سُؤَالُ وَجَوَابٍ؛ أَوْرَدَهُمَا الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ آخِرُ الشَّيْءِ مُنْقَضَاهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ أَخِرُهُ غَيْرُهُمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِمَارَةَ تَنْقَضِي فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَكُونُ الْخِزْيُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِرَهُ؟ قُلْتُ: تُعْتَبَرُ صِفَةُ الْإِمَارَةِ مُسْتَمِرَّةً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ: أَوَّلُهُمَا مَلَامَةٌ؛ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ يَتَصَدَّى لِلْوِلَايَةِ الْغَالِبَ غَيْرُ مُجَرِّبٍ لِلْأُمُورِ، يَنْظُرُ إِلَى مَلَاذِهَا ظَاهِرًا فَيَحْرِصُ فِي طَلَبِهَا، وَيَلُومُهُ أَصْدِقَاؤُهُ، ثُمَّ إِذَا بَاشَرَهَا يَلْحَقُهُ تِبَاعَتُهَا وَمَا تَئُولُ إِلَيْهِ مِنْ وَخَامَةِ عَاقِبَتِهَا؛ نَدَمٌ وَفِي الْآخِرَةِ خِزْيٌ وَنَكَالٌ. وَهَذَا عَلَى رَأَيِ مَا قَالَ: إِنَّ الْجُمَلَ الْمُتَنَاسِقَةَ؛ إِذَا أُتِيَ بِقَيْدٍ بَعْدَهَا بِالْأَخِيرِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا تَكُونُ الْمَلَامَةُ وَالنَّدَامَةُ وَالْخِزْيُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: أَتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَإِنَّ إِتْيَانَهُ مَغْلُولًا يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ هُوَ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2417)