فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 1902

ومعنى جعل الأموال قياما للناس، أن بها تقوم وتثبت منافعهم ومرافقهم، فمنافعهم الخاصة، ومصالحهم العامة لا تزال قائمة ثابتة مادامت أموالهم في أيدى الراشدين المقتصدين منهم الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها، ولا يتجاوزون حدود المصلحة في الإنفاق، وفى هذا حث عظيم على الاقتصاد بذكر فوائده، وتنفير من الإسراف والتبذير ببيان مغبته، فإن الأموال إذا وقعت في أيدى السفهاء المسرفين فات ما كان من تلك المنافع قائما، ومن ثم وصف الله المؤمنين بقوله: «وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» .وقد ورد في السنة النبوية حثّ كثير على الاقتصاد، من ذلك مارواه أحمد عن ابن مسعود: «ما عال من اقتصد» .ومارواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر:

«الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم» وإن من أشد العجب أن يكون حال المسلمين اليوم ما نرى من الإسراف والتبذير، وكتابهم يهديهم إلى ما للاقتصاد من فوائد، وما للتبذير من مضار، إلى ما للمال في هذا الزمن من المنزلة التي لا يقدر قدرها حتى صارت جميع المرافق موقوفة على المال، وأصبحت الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد وليس في أيديها المال مستذلة مستعبدة للأمم الغنية ذات البراعة في الكسب والإحسان في الاقتصاد وجمع المال.

ولا سبب لهذا إلا أنا نبذنا هدى القرآن وراء ظهورنا، وأخذنا بآراء الجاهلين الذين لبسوا على الناس ونفثوا سمومهم وبالغوا في التزهيد والحث على إنفاق ما تصل إليه الأيدى، مع أن السلف الصالح كانوا من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الكسب الحلال، وليت هذا التزهيد أتى بالغرض المسوق لأجله من الترغيب في الآخرة والعمل لها، لكنهم زهدوهم في الدنيا وقطعوهم عن الآخرة فخسروهما معا، وما ذاك إلا لجهلهم بهدى الإسلام وهو السعى للدنيا والعمل للآخرة كما ورد في الأثر «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا» .

(وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ) الرزق يعم وجوه الإنفاق جميعها كالأكل والمبيت والزواج والكسوة، وإنما خص الكسوة بالذكر، لأن الناس يتساهلون فيها أحيانا، وقال (فيها) ولم يقل منها إشارة إلى أن الأموال تتخذ مكانا للرزق بالتجارة فيها فتكون النفقات من الأرباح لا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت