فهرس الكتاب

الصفحة 904 من 1902

صلب المال حتى لا يأكلها الإنفاق، أي أيها الأولياء الذين عهد إليكم حفظ أموال السفهاء وتثميرها حتى كأنها أموالكم، عليكم أن تنفقوا عليهم فتقدموا لهم كفايتهم من الطعام والثياب ونحو ذلك.

(وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً) أي فليقل كل ولى للمولى عليه إذا كان صغيرا: المال مالك وما أنا إلا خازن له وإذا كبرت رد إليك وإذا كان سفيها وعظه ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة ذلك الفقر والاحتياج إلى الخلق إلى نحو ذلك، كما يعلمه كل ما يوصله إلى الرشد، وبذا قد تحسن حاله، فربما كان السفه عارضا لا فطريا، فبالنصح والإرشاد والتأديب يزول ذلك العارض ويصبح رشيدا.

وأين هذا مما يفعله الأولياء والأوصياء من أكل أموال السفهاء ومدهم في غيهم وسفههم حتى يحولوا بينهم وبين أسباب الرشد، وما مقصدهم من ذلك إلا بقاء الأموال تحت أيديهم يتمتعون بها، ويتصرفون فيها بحسب أهوائهم وشهواتهم. [1]

هذا نهى يتوازن مع الأمر السابق في قوله تعالى: «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» .. ولكلّ من الأمر والنهى موضعه، وكلاهما يحقق مصلحة عامة، ويؤدى حقّا، ويبطل باطلا.

وقد أشرنا من قبل إلى ما يحققه قوله تعالى: «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» .

وهنا ينهى الله سبحانه وتعالى عن أن ندع أموال السفهاء في أيدى السفهاء، إذ كان ذلك مدعاة لإفسادهم أولا، وتضييع مصالحهم ثانيا، ورسم مثل سيئة للعبث بالمال وإهدار المنافع المنوطة به في المجتمع، ثالثا.

لذلك ألزم الله سبحانه وتعالى المجتمع أن يتصدّى لهذه الظاهرة، وأن يقف لها في يقظة وحزم، فلا يدع لأيدى السفهاء ما في أيديهم من أموال يفسدونها، ويفسدون بها في الأرض ..

وفى قوله تعالى: «أَمْوالِكُمْ» بإسناد المال إلى غير أهله، وهم أولو الأمر في المجتمع- في هذا ما يعطى المال وصفا غير الوصف الذي يكون له وهو في حوزة الأيدى التي تعبث به، وتستخف بشأنه.

فالمال- في حقيقته- أداة من أدوات النفع، الخاص، والعام معا ..

(1) - تفسير المراغي (4/ 186)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت