فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 1902

هو قوة في يد صاحبه، يدفع به عن نفسه قسوة الحاجة، ولذعة الحرمان، ومطية يمتطيها إلى غايات كثيرة، يجنى منها الخير لنفسه، ولأهله.

ثم هو- أي المال- حركة عاملة في المجتمع، تصبّ فيها جهود أصحاب المال، وتتلاقى على طريقها وجوههم التي يقصدون إليها في تثمير المال وتنميته! وفى صيانة هذه القوة من عوامل الوهن والضعف، وفى تنظيم هذه الحركة وإقامتها على طريق مستقيم- في هذا صيانة للفرد، وحياطة له من أن تضطرب حياته وتتعثر خطواته، وفى هذا أيضا، صيانة للمجتمع، وحياطة لمواطن القوة منه، والحياة فيه.

فالمال في يد من لا يحسن التصرف فيه، ولا يرعى قدره وحرمته، هو في تلك الحال في يد غير أمينة عليه، وغير مستأهلة له .. ومن حق المجتمع أن ينزع هذا الحق منه، ويضعه في يد أمينة، تحافظ عليه وترعاه لحساب السفيه حتى يرشد، أو يموت، فيكون لورثته من بعده.

وفى قوله تعالى: «الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً» إشارة إلى ما للمال من شأن في الإسلام، وإلى النظرة التي ينظر بها إليه، وأنه قوام الحياة، وملاك عمرانها، ومبعث سلامة المجتمع وقوته! فالذين يتحدثون باسم الإسلام، مهوّنين من شأن المال، أو مستصغرين خطره، أو مستخفّين به وبأهله، إنما يفترون على الإسلام، وينطقون عنه زورا وبهتانا.

وقوله تعالى: «وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» هو دعوة إلى من بيده مال السفيه، أن يرزقه منه، ويقضى مطالبه، من سكن وطعام وكسوة، وغير ذلك مما يضمن له حياة مستقرة، في حدود ما يتسع له ما له، إذ أصبح ولا مال بين يديه .. فالعدل يقضى بأنه إذا حرم التصرف فيما يملك، ألا يحرم الانتفاع مما يملك! وفى قوله تعالى: «وَارْزُقُوهُمْ فِيها» ما يشير إلى أن يكون الإنفاق عليهم من صميم مالهم، لا من حواشيه، بمعنى أن ينفق عليهم بالقدر الذي يسمح به ما لهم ويتسع له ..

فكلمة «فيها» ظرف يحتوى المال كله، ويشتمل عليه .. ومن هذا المال كله يكون الإنفاق على السفيه .. ولهذا عدل القرآن عن التعبير بكلمة «منها» بدل «فيها» التي جاء عليها النظم القرآنى .. إذ أن «من» تفيد التبعيض بخلاف «فى» التي تفيد الإحاطة والشمول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت