فهرس الكتاب

الصفحة 906 من 1902

وقوله تعالى: «وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» أدب سماوىّ، يوصى به الله سبحانه الأوصياء الذين يقومون على أموال السفهاء، أن يلطفوا بهم، ويوادّوهم، ويلقوهم بالكلمة الطيبة، التي تطيب خواطرهم، وتنزع من صدورهم مرارة الألم الذي وجدوه في انتزاع ما في أيديهم من مال ..

فالذى أخذ به هؤلاء السفهاء من انتزاع أموالهم من أيديهم، هو عدوان عليهم، اقتضته المصلحة بهم، وبالمجتمع .. وإنه لكى يطبّ الإسلام لهذا الداء، وحتى لا يعالج الداء بالداء، دعا إلى هذا الأدب الرفيع العالي، الذي تطيب به نفوس هؤلاء المرضى، وتسلّ به السخائم من قلوبهم، وذلك طب سماوى تتم به تلك العملية الجراحية في مشاعر الإنسان ووجدانه. دون ألم! [1]

إن هذا المال، ولو أنه مال اليتامى، إلا أنه - قبل هذا - مال الجماعة، أعطاها الله إياه لتقوم به وهي متكافلة في الانتفاع بهذا المال على أحسن الوجوه. فالجماعة هي المالكة ابتداء للمال العام، واليتامى أو مورثوهم إنما يملكون هذا المال لاستثماره - بإذن من الجماعة - ويظلون ينتفعون به وينفعون الجماعة معهم، ما داموا قادرين على تكثيره وتثميره راشدين في تصريفه وتدبيره - والملكية الفردية بحقوقها وقيودها قائمة في هذا الإطار - أما السفهاء من اليتامى ذوي المال، الذين لا يحسنون تدبير المال وتثميره، فلا يسلم لهم، ولا يحق لهم التصرف فيه والقيام عليه - وإن بقيت لهم ملكيتهم الفردية فيه لا تنزع منهم - إنما يعود التصرف في مال الجماعة إلى من يحسن التصرف فيه من الجماعة. مع مراعاة درجة القرابة لليتيم، تحقيقا للتكافل العائلي، الذي هو قاعدة التكافل العام بين الأسرة الكبرى! وللسفيه حق الرزق والكسوة في ماله مع حسن معاملته: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً، وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» ..

ويتبين السفه والرشد - بعد البلوغ - وأمر السفه والرشد لا يخفى عادة، ولا يحتاج إلى تحديد مفهومه بالنصوص. فالبيئة تعرف الراشد من السفيه وتأنس رشد هذا وسفه ذاك، وتصرفات كل منهما لا تخفى على الجماعة فالاختبار يكون لمعرفة البلوغ، الذي يعبر عنه النص بكلمة: «النكاح» وهو الوظيفة التي يؤهل لها البلوغ: «وَابْتَلُوا الْيَتامى، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا. وَمَنْ كانَ غَنِيًّا

(1) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 700)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت