فهرس الكتاب
وعَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -،فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَلاَ يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لاَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ - أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري ومسلم [1] .
"إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الصَّحَابَةُ أَوْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ (مِنْ بَعْدِي) أَيْ: بَعْدَ وَفَاتِي وَفَقْدِ حَيَاتِي (مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) :بِفَتْحِ الزَّايِ: وَسُكُونُ الْهَاءِ وَبِفَتْحٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: الزَّهْرَةُ وَيُحَرَّكُ النَّبَاتُ أَوْ نَوْرُهُ أَوِ الْأَصْفَرُ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ حُسْنُهَا وَبَهْجَتُهَا، فَقَوْلُهُ: (وَزِينَتُهَا) :عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالزَّهْرَةِ إِشَارَةً إِلَى حُدُوثِهَا حُلْوَةً خَضِرَةً وَسُرْعَةِ فِنَائِهَا، وَالْمَعْنَى أَنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنَّ كَثْرَةَ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ فَتْحِ بِلَادِكُمْ تَمْنَعُكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَتَشْغَلُكُمْ عَنِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَتُحَدِثُ فِيكُمُ الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ وَمَحَبَّةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ لَوَازِمِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ، وَمَا بَعْدَهُ حَتَّى الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ ( «فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ» ؟) :بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِرْشَادِ، وَالْمَعْنَى أَيُفْتَحُ عَلَيْنَا وَيَأْتِي الْخَيْرُ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالْمَالِ وَالْحَلَالِ، وَتَوْسِيعِ الرِّزْقِ مَصْحُوبًا بِالشَّرِّ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَرْكُ الْخَيْرِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ مِمَّا يُخَافُ عَلَيْنَا. وَقِيلَ: الْبَاءُ صِلَةُ يَأْتِي وَهِيَ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: هَلْ يَسْتَجْلِبُ الْخَيْرُ الشَّرَّ، وَتَوْضِيحُهُ"
(1) - صحيح البخاري (2/ 121) (1465) وصحيح مسلم (2/ 728) 123 - (1052)
[ش (ينزل عليه) الوحي. (الرخصاء) العرق الكثير. (حمده) أثنى عليه. (الربيع) النهر الصغير. (يلم) يقرب من القتل. (آكلة الخضراء) التي تأكل الخضر وتقتصد في الأكل. (فثلطت) ألقت روثها رقيقا مائعا. (رتعت) توسعت في المرعى. (خضرة حلوة) مثل الفاكهة الخضرة الحلوة من حيث جمال المظهر وطيب المذاق المرغبان فيها فكذلك المال مرغوب فيه]