فهرس الكتاب
نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا»؟ وهم يريدون بالصلاة، الدّين الذي يدين به، إذ كانت صلاته التي يرونها منه، هى المظهر العملي لهذا الدين.!
يعنون بهذا أن الدين الذي يدين به ويدعوهم إليه- هو الذي حمل شعيبا على أن يدعوهم إلى ترك ما كان يعبد آباؤهم من آلهة، وإلى ترك التصرف في أموالهم، والتسلط عليها حسب ما يشاءون؟ أفهذا دين يدين به العقلاء؟ وأي دين هذا الذي يخرج الناس عن عبادة ما كان يعبد آباؤهم؟ وأي دين هذا الذي يدخل على الإنسان فيما بينه وبين ما في يديه من مال، فلا يدعه يتصرف فيه كما يشاء .. ويشترى بالأسلوب الذي يرضاه، ويبيع بالوجه الذي يعجبه؟
فما للدين ولهذا؟ فليزن المرء بالميزان الذي يحقق له الربح، وليكل بالمكيال الذي يضاعف من ربحه! فذلك حقّنا في أموالنا! ولا ندرى كيف ساغ لشعيب هذا الدين الذي يذهب به هذا المذهب المجانب للصواب، والمجافى للعقل، وهو- فيما نعلم- الحليم الرشيد؟ أفهذا يكون من حليم رشيد؟ هكذا كان منطق القوم مع تلك الدعوة الكريمة، ومع هذا النبي الكريم .. يسخرون منه، ويسفّهونه، ويستحمقونه، وهم- على ما كانوا يعهدون منه- الحليم الرشيد .. «إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ» .
والحليم: من الحلم، وهو العقل .. وهو ضد السفاهة، والجهل ..
كما يقول الشاعر:
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنّا إذا ما نجهل
والرشيد، ذو الرشد، وهو الكامل العقل .. وكذلك كان شعيب عليه السلام، غاية في كمال العقل. وسلامة الإدراك. [1]
أي أصلاتك التي هى من نتاج الوسوسة وفعل المجانين تأمرك بأن نترك ما سار عليه آباؤنا جيلا إثر جيل من عبادة الأوثان والأصنام، وإنما جعلوه مأمورا مع أن الصادر عنه إنما هو الأمر بعبادة الله وغيرها من الشرائع، لأنه عليه السلام لم يكن يأمرهم من تلقاء نفسه بل بوحي من ربه ويبلغهم أنه مأمور بذلك، وإسناد الأمر إلى الصلاة دون غيرها من العبادات لأنه كان كثير
(1) - التفسير القرآني للقرآن (6/ 1187)