فهرس الكتاب
إلى معارج السماء! ولكن تلك الآيات، التي يبدعها القوم، هى آيات لاهية عابثة، تعلو بحيوانية الإنسان على آدميته، وتنتصر لجسده على روحه! [1]
والظاهر أنهم كانوا يبنون فوق المرتفعات بنيانا يبدو للناظر من بعد كأنه علامة. وأن القصد من ذلك كان هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة. ومن ثم سماه عبثا. ولو كان لهداية المارة، ومعرفة الاتجاه ما قال لهم: «تعبثون» .. فهو توجيه إلى أن ينفق الجهد، وتنفق البراعة، وينفق المال فيما هو ضروري ونافع، لا في الترف والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة. ويبدو كذلك من قوله: «وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ» أن عادا كانت قد بلغت من الحضارة الصناعية مبلغا يذكر حتى لتتخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور، وتشييد العلامات على المرتفعات وحتى ليجول في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البنيان كافية لحمايتهم من الموت، ووقايتهم من مؤثرات الجور ومن غارات الأعداء. [2]
وعن عَوْنَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ،"لَمَّا رَأَى مَا أَحْدَثَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْغَوْطَةِ مِنَ الْبُنْيَانِ وَنَصْبِ الشَّجَرِ، قَامَ فِي مَسْجِدِهِمْ فَنَادَى: يَا أَهْلَ دِمَشْقَ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟،تَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ، وَتَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ، وَتَأْمَلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ، قَدْ كَانَتْ قَبْلَكُمْ قُرُونٌ يَجْمَعُونَ فَيُوعُونَ وَيَبْنُونَ فَيُوثِقُونَ وَيَأَمِّلُونَ فَيُطِيلُونَ فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا وَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا، أَلَا إِنَّ عَادًا مَلَكَتْ بَيْنَ عَدْنَ وَعُمَانَ خَيْلًا وَرِكَابًا، مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي مِيرَاثَ عَادٍ بِدِرْهَمَيْنِ؟" [3]
وقَامَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ: «يَا أَهْلَ دِمَشْقَ، أَلَا تَسْمَعُونَ مِنْ أَخٍ لَكُمْ نَاصِحٍ؟ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ كَثِيرًا، وَيَبْنُونَ شَدِيدًا، وَيَأْمَلُونَ بَعِيدًا، فَأَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا، وَبُنْيَانُهُمْ قُبُورًا، وَعَمَلُهُمْ غُرُورًا» [4]
وعَنْ أَوْسِ بْنِ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ، فَنَظَرَ إِلَى الْغُوطَةِ قَدْ سَقَتْ أَنْهَارُهَا، وَغُرِسَتْ شَجَرًا، وَبُنِيَتْ قُصُورًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ:"يَا أَهْلَ دِمَشْقَ".فَلَمَّا أَقْبَلُوا عَلَيْهِ
(1) - التفسير القرآني للقرآن (10/ 145)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3348)
(3) - تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا (9/ 2799) (15840) صحيح
(4) - الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 291) (847) صحيح