فهرس الكتاب

الصفحة 983 من 1902

وقوله تعالى: «سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً .. » هو وعد من الله سبحانه للمضيّق عليهم في الرزق، يأن هذا الضيق إلى سعة، وإن هذا العسر إلى يسر، فليتحمل الأب هذا الضيق، وألا يضيق به، ثم ألا يحمله الضيق على أن يلتوى في سلوكه إزاء الإنفاق على ولده الرضيع، أو يتحلل من هذا الواجب المفروض عليه .. [1]

فهو اليسر والتعاون والعدل. لا يجور هو، ولا تتعنت هي. فمن وسع الله عليه رزقه فلينفق عن سعة. سواء في السكن أو في نفقة المعيشة أو في أجر الرضاعة. ومن ضيق عليه في الرزق، فليس عليه من حرج، فالله لا يطالب أحدا أن ينفق إلا في حدود ما آتاه. فهو المعطي، ولا يملك أحد أن يحصل على غير ما أعطاه الله. فليس هناك مصدر آخر للعطاء غير هذا المصدر، وليست هناك خزانة غير هذه الخزانة: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها» ..

ثم لمسة الإرضاء، وإفساح الرجاء، للاثنين على السواء: «سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» ..

فالأمر منوط بالله في الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر. فأولى لهما إذن أن يعقدا به الأمر كله، وأن يتجها إليه بالأمر كله، وأن يراقباه ويتقياه والأمر كله إليه. وهو المانح المانع. القابض الباسط. وبيده الضيق والفرج، والعسر واليسر، والشدة والرخاء. [2]

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» رواه أَبو داود وغيره [3]

وعَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ، عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» [4]

(1) - التفسير القرآني للقرآن (14/ 1013)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4501)

(3) - سنن أبي داود (2/ 132) (1692) وصحيح ابن حبان - مخرجا (10/ 51) (4240) صحيح

(4) - صحيح مسلم (2/ 692) 40 - (996)

(جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ) :بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ أَيْ وَكِيلٌ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْخَازِنُ وَالْوَكِيلُ الْحَافِظُ لِمَا تَحْتَ يَدِهِ وَالْقَائِمُ بِأُمُورِ الرَّجُلِ بِلُغَةِ الْفُرْسِ (فَقَالَ) :أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (لَهُ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ) :أَيِ الْمَمَالِيكَ (قُوتَهُمْ) ؟ بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ (قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلِقْ) :أَيِ اذْهَبْ (فَأَعْطِهِمْ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: كَفَى بِالرَّجُلِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ") :أَيْ: يَمْنَعَ (عَمَّنْ يَمْلِكُ) :وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَمْلِكُ (قُوتَهُ) :مَفْعُولُ يَحْبِسُ (وَفِي رِوَايَةٍ: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ) :بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا مِنَ التَّضْيِيعِ أَوِ الْإِضَاعَةِ (مَنْ يَقُوتُ) :أَيْ قُوتَ مَنْ يَلْزَمُهُ قُوتُهُ مِنْ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ وَعَبِيدِهِ، مِنْ قَاتَهُ يَقُوتُهُ إِذَا أَعْطَاهُ قُوتَهُ، وَيُقَالُ: أَقَاتَهُ يُقِيتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء:85] .قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِمَا لَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِ الْأَهْلِ يَلْتَمِسُ بِهِ الثَّوَابَ؛ لِأَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِثْمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ تَضْيِيعُ أَمْرِ مَنْ يَقُوتُهُ وَهُوَ الْبَارِي تَعَالَى الَّذِي يَقُوتُ الْخَلَائِقَ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2193)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت