فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 537

فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَ بِقَدْرِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ تَحَرَّى وَاجْتَهَدَ فِي تَقْوِيمِهِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك} وَمَتَى أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَقَدْ خَانَهُ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ} وَلِأَنَّهُ إنْ أُخِذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ كَانَ مُعَاوَضَةً بِغَيْرِ تَرَاضٍ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَلَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ الْحَقِّ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ. وَأَبَاحَ أَحْمَدُ: فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَخْذَ الضَّيْفِ مِنْ مَالِ مَنْ نَزَلَ بِهِ وَلَمْ يُقِرَّهُ بِقَدْرِ قِرَاهُ، لِظُهُورِ سَبَبِ الْأَخْذِ، وَمَتَى ظَهَرَ السَّبَبُ لَمْ يُنْسَبْ الْآخِذُ إلَى الْخِيَانَةِ، لِمَا وَرَدَ {عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ} . وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: إذَا ظَهَرَ السَّبَبُ لَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِغَيْرِ إذْنٍ لِإِمْكَانِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَفِيَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ وُصُولُ حَقِّهِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ بِدُونِ الْأَخْذِ خُفْيَةً.

عُدْوَانٌ التَّعْرِيفُ: 1 - الْعُدْوَانُ: بِمَعْنَى التَّجَاوُزِ عَنْ الْحَدِّ، مَصْدَرُ عَدَا يَعْدُو يُقَالُ: عَدَا الْأَمْرَ يَعْدُوهُ وَتَعَدَّاهُ كِلَاهُمَا تَجَاوَزَهُ، وَعَدَا عَلَى فُلَانٍ عَدْوًا وَعُدُوًّا وَعُدْوَانًا وَعَدَاءً أَيْ: ظَلَمَ ظُلْمًا جَاوَزَ فِيهِ الْقَدْرَ، وَمِنْهُ كَلِمَةُ: الْعَدُوُّ، وَقَوْلُ الْعَرَبِ: فُلَانٌ عَدُوُّ فُلَانٍ مَعْنَاهُ: يَعْدُو عَلَيْهِ بِالْمَكْرُوهِ وَيَظْلِمُهُ. وَيُسْتَعْمَلُ الْعُدْوَانُ بِمَعْنَى السَّبِيلِ أَيْضًا، كَمَا فِي قوله تعالى: {فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} أَيْ: لَا سَبِيلَ وَيَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ: الْعُدْوَانُ: الْإِفْرَاطُ فِي الظُّلْمِ. وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَأَغْلَبُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي التَّعَدِّي عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، مِمَّا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الضَّمَانَ. الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - (الظُّلْمُ) : 2 - الظُّلْمُ اسْمٌ مِنْ ظَلَمَهُ ظُلْمًا وَمَظْلِمَةً، وَأَصْلُ الظُّلْمِ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. يَقُولُ الْأَصْفَهَانِيُّ: الظُّلْمُ يُقَالُ فِي مُجَاوَزَةِ الْحَقِّ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى نُقْطَةِ الدَّائِرَةِ، وَيُقَالُ فِيمَا يَكْثُرُ وَفِيمَا يَقِلُّ مِنْ التَّجَاوُزِ. وَيَقُولُ الْأَلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} الظُّلْمُ وَالْعُدْوَانُ بِمَعْنًى، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالْعُدْوَانِ: التَّعَدِّي عَلَى الْغَيْرِ، وَبِالظُّلْمِ: الظُّلْمُ عَلَى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِهَا لِلْعِقَابِ ب - (الْإِثْمُ) : 3 - الْإِثْمُ لُغَةً: الذَّنْبُ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَعْمَلَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ. وَعَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيِّ بِأَنَّهُ: مَا يَجِبُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ شَرْعًا وَطَبْعًا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} الْإِثْمُ: الْفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الذَّمَّ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ، وَقِيلَ: مَا تَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ، وَلَا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ الْقَلْبُ، وَفِي الْحَدِيثِ: {الْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك} . وَعَلَى ذَلِكَ فَالْإِثْمُ أَعَمُّ مِنْ الْعُدْوَانِ. الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ: 4 - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْعُدْوَانِ حَسَبَ اخْتِلَافِ مُتَعَلَّقِهِ، فَقَدْ قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ أَنَّ حِفْظَ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسْلِ وَالْمَالِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي قِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، بِحَيْثُ إذَا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، بَلْ عَلَى فَسَادٍ وَتَهَارُجٍ، وَفِي الْأُخْرَى فَوْتُ النَّجَاةِ وَالنَّعِيمِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي خُطْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا} وَعَلَى ذَلِكَ: فَالْعُدْوَانُ عَلَى الْأَنْفُسِ عَمْدًا حَرَامٌ وَمُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ وَكَذَلِكَ الْعُدْوَانُ عَلَى الْأَعْضَاءِ عَمْدًا. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ الْعُدْوَانُ، قَالَ الْبُنَانِيُّ: الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ، وَالْعُدْوَانُ مَا كَانَ غَضَبًا لَا لَعِبًا وَلَا أَدَبًا. وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ الْأَزْهَرِيُّ. وَتَفْصِيلُ الْمَوْضُوعِ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت