استبعد هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، قال أبو حيان: (واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر، ولا استبعاد فيها لأنها تعليل للنهي، أي لا تحسبنهم فائتين لأنهم لا يعجزون، أي لا يقع منك حسبان لفوتهم، لأنهم لا يعجزون، أي لا يفوتون) .
الرد: وجه الصواب في هذه القراءة على تقدير اللام، وهو متعلق بما قبله تعلق المفعول له، والتقدير لا يحسبن الذين كفروا سبقوا لأنهم لا يفوتون .
جاء في الكشاف: (وقرئ بالفتح بمعنى: لأنهم، كل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل، إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف، والمفتوحة تعليل صريح) .
قال القاضي عبد الحق بن عطية: (وقرأ ابن عامر وحده من السبعة(أنهم لا يعجزون) بفتح الألف من (أنهم) ، ووجهه أن يقدر بمعنى لأنهم لا يعجزون، أي لا تحسبن عليهم النجاة لأنهم لا ينجون) .
فخلاصة آراء العلماء في هذه الآية أن القراءة على حذف لام التعليل، فالجملة في تأويل مصدر هو علة للنهي، أي لأنهم لا يعجزون .
مثال (8) :
قال تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه) .
قرأ ابن عامر وحده (بالغدوة) بالواو، وكذلك في الكهف، وقرأ الباقون (بالغداة) بدون واو .
* التلحين:
خطأ هذه القراءة أبو عبيدة، قال: (إنما نرى ابن عامر والسلمي قرأ تلك القراءة اتباعًا للخط، وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها، لأنهم كتبوا الصلاة والزكاة بالواو) .
الرد: وجه ذلك أن غدوة وإن كان اسمًا علمًا صيغ لهذا الوقت المعلوم ، ومن حقه أن لا يدخله الألف واللام، فإنه قدّر فيه التنكير والشياع، وذلك مستمر في جميع هذا الضرب من الأعلام، نحو ما حكاه سيبويه عن العرب: هذا يوم اثنين مباركًا فيه ، فلما قدر في غدوة التنكير، جوز إدخال الألف واللام عليه، وهذا كما يقال: لقيته فينة، غير منصرف ، ثم تقول: لقيته الفينة بعد الفينة، فندخل الألف واللام على ما يستعمل معرفة .
قال أبو حيان مصوّبًا قراءة ابن عامر ورادًّا على أبي عبيدة: (وهذا من أبي عبيدة جهل بهذه اللغة، التي حكاها سيبويه والخليل، وقرأ بها هؤلاء الجماعة، وكيف يظن بهؤلاء الجماعة القراء أنهم إنما قرؤوا بها لأنها مكتوبة في المصحف بالواو؟ والقراءة إنما هي سنة متبعة. وأيضًا فابن عامر عربي صريح، كان موجودًا قبل أن يوجد اللحن، لأنه قرأ القرآن على عثمان بن عفان ونصر بن عاصم، أحد العرب الأئمة في النحو، وهو ممن أخذ علم النحو عن أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو، والحسن البصري، وهو من الفصاحة بحيث يستشهد بكلامه، فكيف يظن بهؤلاء أنهم لحنوا. وأبو عبيدة جهل هذه اللغة، وجهل نقل هذه القراءة فتجاسر على ردها عفا الله عنه) .
مثال (9) :
قال تعالى: (قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين) .
قرأ قالون (أرجه) باختلاس كسرة الهاء، وقرأ ورش والكسائي بكسر الهاء، وقرأ ابن كثير وهشام (أرجئه) بإشباع ضمة الهاء، وقرأ أبو عمرو (أرجئه) باختلاس ضمة الهاء، وقرأ ابن ذكوان (أرجئه) باختلاس كسرة الهاء، وقرأ الباقون بترك الهمز وإسكان الهاء .
التلحين: لحّن أبو علي الفارسي قراءة ابن كثير (أرجئه) ، وقال: وهذا غلط. وقال أيضًا: ضم الهاء مع الهمز لا يجوز .
الرد: قال ابن زنجلة: (أرجئهو مهموزة بواو بعد الهاء في اللفظ. وأصل هذه الهاء التي للمضمر أن تكون مضمومة بعدها واو كقولك(ضربتهو يا فتى) و (مررت بهو يا فتى) . . . وعلامة الأمر في (أرجئهو) زيادة الهمزة .
فوجه هذه القراءة أنه أمر من أرجأت الأمر إذا أخرته، فالأصل فيه الهمز، والهاء أصله الضم أيضًا، وأن يتصل به واو بعده، فأجراه ابن كثير على الأصل في إلحاق الواو؛ لأنه جعل الهاء فاصلًا بين الساكنين، فلم يجتمعا .
وقال أبو حيان: (وما ذهب إليه الفارسي وغيره من غلط هذه القراءة، وأنها لا تجوز قول فاسد، لأنها قراءة متواترة روتها الأكابر عن الأئمة، وتلقتها الأمة بالقبول، ولها توجيه في العربية. . . فلا وجه لإنكار هذه القراءة) .
مثال (10) :
قال تعالى: (فاستجبنا له ونجينه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) .
(يُتْبَعُ)