قرأ أبو بكر (شعبة) وابن عامر بنون واحدة، وتشديد الجيم. وقرأ الباقون بنونين وبالتخفيف .
التلحين: لحن هذه القراءة الزجاج، حيث قال: (فأما ما روي عن عاصم بنون واحدة فلحن لا وجه له، لأن ما لا يسمى فاعله لا يكون بغير فاعل. وقد قال بعضهم: نجّي النجاء المؤمنين، وهذا خطأ بإجماع النحويين كلهم) .
ولا أعجب من رأي الزجاج في تلحين هذه القراءة المتواترة، لكنني أعجب من رأي إمام من أئمة القراءات، احتج للقراءات ودافع عنها، هو مكي بن أبي طالب القيسي، حيث جعلها غير متمكنة في العربية، إذ يقول: (وحجة من قرأ بنون واحدة أنه بنى الفعل للمفعول، فأضمر المصدر، ليقوم مقام الفاعل، وفيه بعد من وجهين: أحدهما أن يقوم المفعول مقام الفاعل دون المصدر، فكان يجب رفع المؤمنين، وذلك مخالف للخط. و الوجه الثاني: أنه كان يجب أن تفتح الياء من(نجى) ، لأنه فعل ماض، كما تقول:
(رمي. . .) فأسكن الياء، وحقها الفتح. فهذا الوجه بعيد في الجواز. وقيل: إن هذه القراءة على طريق إخفاء النون الثانية في الجيم. وهذا أيضًا بعيد، لأن الرواية بتشديد الجيم والإخفاء لا يكون معه تشديد. وقيل: أدغم النون في الجيم، وهذا أيضًا لا نظير له، لا تدغم النون في الجيم في شيء من كلام العرب لبعد ما بينهما. وإنما تعلق من قرأ هذه القراءة أن هذه اللفظة في أكثر المصاحف بنون واحدة، فهذه القراءة إذا قرئت بتشديد الجيم، وضم النون، وإسكان الياء غير متمكنة في العربية) .
وليس غريبًا أن يصف الزمخشري توجيه هذه القراءة بالتعسف، وذلك بقوله:
(والنون لا تدغم في الجيم، ومن تمحل لصحته فجعله فعّل، وقال: نجي النجاء المؤمنين، فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين بالنجاء، فمتعسف بارد التعسف
الرد: قال الفراء: (. . . أضمر المصدر في نجي فنوي به الرفع، ونصب
(المؤمنين) فيكون كقولك: ضرب الضرب زيدًا، ثم تكني عن الضرب فتقول: ضرب زيدًا. وكذلك نجي النجاء المؤمنين) .
فتأويل هذه القراءة: نجّي النجاء المؤمنين، فيكون (النجاء) مرفوعًا، لأنه اسم ما لم يسمّ فاعله، و (المؤمنين) نصب لأنه خبر ما لم يسم فاعله، فتقول: (ضرب زيدًا) . وحجتهم قراءة أبي جعفر؛ قرأ (ليجزى قومًا بما كانوا) . وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون أراد: (ننجي) فأدغم النون في الجيم، و (المؤمنين) نصب لأنه مفعول به،
فـ (نجي) على ما ذكره أبو عبيد فعل مستقبل، وعلامة الاستقبال سكون الياء .
جاء في الفريد في إعراب القرآن المجيد: (وقرئ(نجّي) بنون واحدة، وتشديد الجيم وإسكان الياء، وفيه أوجه: أحدها: أنه فعل ماض مبني للمفعول مسند إلى مصدره، وإسكان يائه تخفيف والمؤمنين نصب، لأنه المفعول الثاني، أي: نجي النجاء المؤمنين، كقولك: ضرب الضرب زيدًا، وأنشد:
ولو ولدت فقيرة جرو كلب
لسب بذلك الجرو الكلابا
أي لسب السب. . . والثاني: أنه فعل مستقبل، إلا أن النون أدغمت في الجيم بعد قلبها جيمًا، وهذا ضعيف، لأن النون تخفى عند الجيم، ولا تدغم فيها. والثالث: أن أصله ننجي بنونين، الأولى مضمومة، والثانية مفتوحة، فحذفت الثانية كراهة اجتماع المثلين، كما حذفت إحدى التائين من (ولا تفرقوا) ، و (تساءلوا) وشبههما، فبقي (نجي) كما ترى، وهذا أقرب الأوجه .
وبعد هذه الجولة أقول: لقد دافع عن القراء كثير من جهابذة اللغة والنحو والتفسير والقراءات، فردوا على من لحن قراءات متواترة من النحويين، نسوق بعض تلك
الردود:
قال الصفاقسي: (القراءة لا تتبع العربية، بل العربية تتبع القراءة؛ لأنها مسموعة من أفصح العرب بإجماع، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) .
وقال الفخر الرازي: (أنا شديد العجب من هؤلاء النحويين، إذا وجد أحدهم بيتًا من الشعر ولو كان قائله مجهولًا، جعله دليلًا على صحة القراءة، وفرح به، ولو جعل صحة القراءة دليلًا على صحته، لكان أولى) .
وقال أبو حيان: (القراءة سنة متبعة، ويوجد فيها الفصيح والأفصح، وكل ذلك من تيسيره تعالى القرآن للذكر) .
(يُتْبَعُ)