ويبدو أن خطر كرز الفهري كان كبيرًا ولم يكن الموضوع سرح أخذه فحسب، مما استدعى الأمر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وأبعد في طلبه مسافة كبيرة، ومما يؤكد هذا الظن ما رواه ابن ابي حاتم [1] ، عَنْ عَامِرٍ: (أَنَّ الْمُسْلِمِينَ، بَلَغَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيُّ يَمُدُّ الْمُشْرِكِينَ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ} إِلَى قَوْلِهِ: {مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 124 - 125] ، قَالَ: فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَةَ فَلَمْ يَمُدَّ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يُمَدَّ الْمُسْلِمُونَ بِالْخَمْسَةِ) .
وجدير بالذكر أن كرز بن جابر أسلم بعد ذلك، ومن الملفت للنظر أنه كما أغار يومًا على أموال المسلمين كان بعد ذلك أشدّ فرسان الدولة حماية لأموالها، فقد ولاّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجيش الذين بعثهم في أثر العرنيين، كما في الإصابة (5/ 581) ، وسنأتي عليه لاحقًا إن شاء الله.
الفوائد
-فيها أنه يستحب للمسلم أن يدفع عن ماله ويقاتل دونه، لما روى الشيخان [2] أنه:"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"، وفي رواية عند الإمام أحمد [3] أنه:"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ مَظْلُومًا فَلَهُ الْجَنَّةُ"، وأنه يجب على المسلم ألاّ يترك ماله لكافر إلا إذا خشي على نفسه فله حينئذ الأخذ بالرخصة، وإلا فالأولى قتاله والفوز بالشهادة إن قتل.
(1) - تفسير ابن كثير: 1/ 401، والطبري في تفسيره: 3/ 421، وابن أبي شيبة: 36670. عن الشعبي بسند صحيح كما قال الحافظ في الفتح: 7/ 362 (أي إلى الشعبي، لكنه مرسل غير موصول- عَنْ دَاوُدَ -أي ابن أبي هند-) .
(2) - البخاري (2348) ، ومسلم (226) .
(3) - المسند: 2/ 223، والنسائي: 7/ 115، بسند صحيح كما في صحيح الجامع: 6446.