(وكان بسبس بن عمرو وعدى بن أبى الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنًا لهما يستقيان فيه، ومجدى بن عمرو الجهنى على الماء، فسمع عدى وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتى العير غدًا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك، قال مجدي: صدقتِ، ثم خلّص بينهما. وسمع ذلك عدى وبسبس فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه بما سمعا) .
وقال ابن كثير في السيرة (2/ 391) : (وقال موسى بن عقبة: بعثهما قبل أن يخرج من المدينة، فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس إليها. فإن كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظًا فقد بعثهما مرتين) .
الفوائد
-وفي الحديث أهمية الطليعة وضرورتها عند حركة القوات، فهي عيون القوم كما جاء في الأثر [1] ، والقائد الناجح لا يدخل مرحلة حتى يكون قد استطلع ما فيها ليأمن الكمائن ويعرف ما يستجدّ على الأرض من عوارض، وكذلك ليرصد أي حركة متقدمة للعدو.
-وفيه ما ينبغي أن يتحلّى به الطليعة من صفات؛ من خبرة بالأرض وجغرافيتها من طرق وجسور وتلال وما هو مسلوك وغيره، يعني الرئيسية والالتفافية، ومعرفة بالحركة وأنواعها ومواصفاتها؛ فيعرف مثلًا أنواع الآليات وقدرتها في التربة والطقس، وقدرتها على المناورة من عدمه، فأنت ترى كيف تجلّى كل ذلك في طليعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكيف استطاع أن يحدّد بمهارة بالغة خط سير الفريقين نقطة نقطة، متسلحًا بما عنده من خبرة ومعلومات.
-وفيها أنه يستحب للأمير أن يتأكد ويستوثق مما توصلت إليه طليعته، ويسأل أهل الفن والخبرة ليعزم أمره ويحددّ خط سيره وهو مطمئن غير شاكّ مما له أثر كبير في طريقة السير.
(1) - من ذلك ما أخرجه الواقدي في (فتوح الشام) (ص50) من رواية رفاعة بن عاصم، في فصة فتح الشام.