فإن كان الأمر صحيحًا شرعًا لكنه يؤدي إلى الفرقة فالأولى تأجيله إلى حين، ما دام هناك متّسع شرعًا وواقعًا، وحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها ومواقفه تدور في هذا الفلك؛ فتأمل كيف لم يقتل عبد الله بن أبيّ قائلًا لعمر:"دعه حتى لا يتحدّث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه" [1] .
- (وَفِيهِ اِسْتِشَارَة الْأَصْحَاب وَأَهْل الرَّاي وَالْخِبْرَة) كما قال النووي في شرح مسلم (12/ 124) .
-وفيه أن رؤوس الناس يستحب أن تظهر مواقفهم عند الشدائد ثباتًا وصدقًا وشجاعةً، وأنه على الأمراء أن يحرصوا على معرفة مواقفهم، وأن يظهروها وينشروا خبرها بين الناس إذا كانت على النحو المحمود.
-وفي قول الأنصاري: (إِيَّاكُمْ يُرِيدُ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ) أدب رفيع وخلق نبيل، حيث فهم السامع مقصد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم لعلمه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يعرف رأي رؤوس الأنصار وسادتهم، وعلامة واضحة أن أمرهم كانوا يكلونه إليهم.
-وفيه ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الذروة في محاسن الأخلاق؛ فعلى الرغم أنه يدرك أنه إذا أمر بأمر لن يعصوه ولو كان فيه هلكتهم جميعًا إلا أن الأنصار بَايِعُوهُ في العقبة عَلَى نُصْرَته مِمَّنْ يَقْصِدهُ لَا أَنْ يَسِير بِهِمْ إِلَى الْعَدُوّ، فلذلك لم يجزم بالقتال إلا عن رضًا منهم وطيب خاطر، وفي هذا تأديب للأمة في احترام العهود والمواثيق، ومَثَل رائع في كيفية سياسة الناس وجمع أمرهم وعدم اختلاف كلمتهم مهما تعددت مقاصدهم.
ـــــــــ
(1) - أخرجه البخاري في تفسير سورة المنافقون (باب: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة) (برقم 4622) .