والمعاريض قد تكون بالفعل، وهي ليست كذبًا لا على الحقيقة ولا في الظاهر، وهذا النوع هو ما ثبت بالنقل الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويسمى تعريضًا من باب الوصف فحسب، أما ما نقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه عرّض بالقول كموضوع الباب:"نحن من ماء"فلم يثبت بنقل صحيح تثبت به حجة، فهو جائز لغيره ونزهه الله منه.
قال شيخ الإسلام هناك: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَعَارِيضَ كَمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ فَقَدْ تَكُونُ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ تَكُونُ بِهِمَا؛ مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يُظْهِرَ الْمُحَارِبُ أَنَّهُ يُرِيدُ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوهِ وَيُسَافِرَ إلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ لِيَحْسَبَ الْعَدُوُّ أَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ ثُمَّ يَكِرَّ عَلَيْهِ، أَوْ يَسْتَطْرِدَ الْمُبَارِزُ بَيْنَ يَدَيْ خَصْمِهِ لِيَظُنَّ هَزِيمَتَهُ ثُمَّ يَعْطِفَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ:"الْحَرْبُ خَدْعَةٌ"، وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا) .
قال الحافظ في الفتح (6/ 196) : (أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَة وَرَّى بِغَيْرِهَا، فَإِنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يُرِيد أَمْرًا فَلَا يُظْهِرهُ، كَأَنْ يُرِيد أَنْ يَغْزُو جِهَة الشَّرْق فَيَسْأَل عَنْ أَمْر فِي جِهَة الْغَرْب، وَيَتَجَهَّز لِلسَّفَرِ فَيَظُنّ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعهُ أَنَّهُ يُرِيد جِهَة الْغَرْب، وَأَمَّا أَنْ يُصَرِّح بِإِرَادَتِهِ الْغَرْب وَإِنَّمَا مُرَاده الشَّرْق فَلَا، وَاللَّه أَعْلَم) .