-وفيها أنه لا يجوز للمجاهد أن يُطلع على سرّه امرأة ولا طفلًا، وهذا من بداهيات القواعد الأمنية المشهورة، والشاهد قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أخرج من عندك ) )، فالعبرة في أمره - صلى الله عليه وسلم - لا في ردّ أبي بكر رضي الله عنه الذي جعله الناس شمّاعة لمصائب وقعت بهم وبالمجاهدين، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي بيت أبي بكر بكرة وعشية ويعلم جيدًا أحوالهم ومع ذلك طلب خروجهم، ويأوّل قول الصديق رضي الله عنه أنهم لابد سيعلمون، إذ أنهم من البيت سينطلقون وسيحتاجون إليهم في تدبير كثير من جوانب الهجرة، وهو بالفعل ما كان، ولذا سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك فهم لم يعلموا إلا بخبر الهجرة، فلم يعلموا وجهتها ولا طريقها، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ، يَتَغَنّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِنَاءِ الْعَرَبِ، وَإِنّ النّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ حَتّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكّةَ، وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللّهُ رَبّ النّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلّا خَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدِ) [1] .
-وفيها أن المسلم المجاهد لا يطلع على سرّ عمله إلا من تأكّدت الضرورة لحاجته إليه ولا غنى عنه في عمله، ويحرص أن يكون صاحب سره مخلصًا أمينًا ومشفقًا محبًا.
(1) - هذا طرف من حديث أم معبد المشهور، وله طرق كثيرة لا يخلو أكثرها من مقال وقد تقدم طرف منه في الهامش (3) ، وهذه الرواية ساقها ابن اسحاق بإسناد معضل فقال: (فحُدِّثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: ... ) كما في سيرة ابن هشام: 2/ 131.