وفيها:(الدليل الواضح على فساد قول من زعم أن من خاف شيئًا سوى الله فلم يوقن بالقدر، وذلك أن الصدّيق قال لرسول الله:"لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا"، حذرًا أن يكون ذلك من بعضهم فيلحقه ورسول الله من مكروه، ذلك ما حذره وبذلك أخبر الله تعالى عنه في كتابه بقوله: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ} فلم يصفه الله و لا رسوله بذلك من قوله بضعف اليقين، بل كان من اليقين لقضاء الله وقدره في أعلى المنازل، ولكن قال ذلك إشفاقًا على رسول الله، وكان حزنه بذلك مع علمه أن الله بالغ أمره فيه وفى رسوله وفى نصر دينه، فجمع الله له بذلك صدق اليقين، وأجر الجزع على الدين، وثواب الشفقة على الرسول، ليضعف له بذلك الأجر، وكان ذلك منه مثل ما كان من موسى نبي الله إذ أوجس في نفسه خيفة مما أتت به السحرة حين خيّل إليه أن حبالهم وعصيهم تسعى، فقال الله له:
{لا تَخَفْ إِنَّكّ أَنْتَ الأَعْلَى} ، ولا شكّ أن موسى كان من العلم بالله وصدق اليقين بنفوذ قضائه فيه ما لا يلتبس أمره على ذي عقل يؤمن بالله ورسوله، وكذلك الذي كان من أمر أبي بكر) [1] .
-وفيها ما اعتاده الكفار من قديم الزمان أنه إذا فاتهم الموحدون جعلوا الجوائز لمن يأتي بهم أحياء أو أمواتًا تحفيزًا للضعفاء وإغراءًا للسفهاء.
-وفيها أنه ينبغي أن يعلم أن مصاحبة أئمة الحق لها أعباء وتبعات وتجعل الصاحب في عين الطلب، فقد هاجر الصحابة الكرام وأراد أبو بكر رضي الله عنه الهجرة ورجع ولم يجعلوا فيه الدية ولا طلبوا قتله وألحّوا في ذلك إلا عند صحبته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، وينبغي لمن كان هذا شأنه أن يحسن اختيار رفقائه حتى لا يفرط في نفسه أو يعرض غيره إلى ما لا يطيقون.
-وفي قصة عبد الله بن أبي بكر جواز العين، وأنه مما لا غنى عنه في الجهاد، وأن يختار لها من لا شائبة عليه في دينه وولائه.
(1) - شرح الصحيح لابن بطال: 17/ 113.