والجمع بين الرواتين أصحّ؛ فقد جاء بشياطين في صورة رجال من بني مدلج وجاء هو في صورة سيدهم سراقة، وهو ما رواه ابن جرير رحمه الله (13/ 7) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (جَاءَ إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينَ، وَمَعَهُ رَايَةٌ فِي صُوَرِ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وَالشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ: {لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} ، وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ وَوَلَّى مُدْبِرًا وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا سُرَاقَةُ، أَتَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ فَقَالَ:"إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ"وذلك حين رأى الملائكة) .
قال ابن الجوزي في زاد المسير (3/ 120) : (( وفي المراد بأعمالهم هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: شركهم، والثاني: مسيرهم إلى بدر، والثالث: قتالهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قوله تعالى:
{فَلَمَّا تَراءَتِ الفِئَتانِ} أي: صارتا بحيث رأت إحداهما الأخرى. وفي المراد بالفئتين قولان: أحدهما: فئة المسلمين وفئة المشركين، وهو قول الجمهور، والثاني: فئة المسلمين وفئة الملائكة، ذكره الماوردي).
ولقد فرّ الشيطان كما قال ابو جعفر الطبري رحمه الله (9/ 224 - 225) :