{وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ} أي: سلّمكم من المخالفة. ابن عباس: من الفشل، ويحتمل منهما. وقيل: سلّم أي أتمّ أمر المسلمين بالظفر).
قال أبو جعفر الطبري (13/ 571 - 572) :(وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن عباس؛ وهو أن الله سلّم القومَ بما أرى نبيه - في منامه من الفشل والتنازع، حتى قويت قلوبهم، واجترءوا على حرب عدوهم. وذلك أن قوله: {ولكنّ الله سلّم} عَقِيب قوله:
{وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} ، فالذي هو أولى بالخبر عنه؛ أنه سلّمهم منه جل ثناؤه ما كان مخوفًا منه لو لم يُرِ نبيه - من قلّة القوم في منامه) .
الفوائد
-فيه أهمية التقليل من شأن العدو عند اللقاء، أي عند بدء القتال، وأما قبله فلا يُستحسن للأمير والمسئولين، حتى نأخذ للأمر أهبته ونحسن الإعداد، فقد حرص رسول الله - على معرفة عدد جيش المشركين ورؤوسهم وفرسانهم، وعلى الجملة حرص على معرفة عددهم وعدّتهم.
وأما عند القتال وفي جهاد الدفع عن الدين والعرض فلابد من احتقار قوة العدو وتصغيرها وتهوين أمرها، فإن هذا بنصّ كتاب الله يجرّأ الموحد على عدوه ويقوّي عزيمته ويضاعف من رغبته في النصر، وبالمقابل فيه أهمية إخراس كل ناعق يعظم شأن عدونا؛ سلاحه وجنوده، وضرورة الانتباه لخطر ضعفاء النفوس المنهزمين عقديًا ونفسيًا وحتى أخلاقيًا، فإنه ليس من الدين ولا الخُلُق أنه إذا التقى الصفان خرج من يرجف بنا، قال الله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:47] ، أي سريع في إلقاء قنابل الفتن والإرجاف بين الصفوف المؤمنة إذا جدّ الجَدّ. قال ابن زيد: (يقولون:"قد جُمع لكم وفُعِل وفُعِل، يخذِّلونكم") [1] .
(1) - تفسير الطبري (14/ 280) .