-في الباب استحباب مصابرة العدد القليل للعدو الكثير، ولو بلغوا عشرة أضعافهم خاصة عند جهاد الدفع عن الدين والنفس والعرض، وأن نسخ الحكم في وجوب مصابرة الواحد للعشرة لا يعني أنه لا يجوز المصابرة، بل يُستحب؛ إذا كان أمر الدين والعرض في خطر، ولا يبعد وجوب المصابرة كوجوبه يوم بدر إذا تشابهت الظروف ولزم صيانة الدين وخشي من بعده الكرّة على الإسلام والمسلمين، وقد ذم الله المنهزمين يوم أحد وكان المشركون ثلاثة أضعافهم، أي أكثر من الضعفين، وكان النفاق صفة من تخلّف عن الدفاع عن المدينة يوم الخندق وكانوا أضعاف أضعافهم، مع أن آية نسخ وجوب المصابرة نزلت بعد بدر، فعلم منه أنه يجب المصابرة إذا خشي على الدين كما في أحد أو كان جهاد دفع كما في الخندق.
قال ابن مفلح في الفروع (11/ 376) : (وَقَالَ شَيْخُنَا: جِهَادُ الدَّافِعِ لِلْكُفَّارِ يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَيَحْرُمُ فِيهِ الْفِرَارُ مِنْ مِثْلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ جِهَادُ ضَرُورَةٍ لَا اخْتِيَارٍ، وَثَبَتُوا يَوْمَ أُحُدٍ وَالْأَحْزَابِ وُجُوبًا، وَكَذَا لَمَّا قَدِمَ التَّتَرُ دِمَشْقَ) .
-وفيه حرمة الفرار من الزحف من مثلي العدد في جهاد الطلب، ففي الحديث المتفق عليه [1] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) .
(1) - البخاري (2615) ، ومسلم (89) .