وفي صفة الصفوف قال الواقدي في مغازيه (ص 66) : (وَقَالَ خِفَافُ بْنُ إيمَاءٍ: فَرَأَيْت أَصْحَابَ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ تَصَافّ النّاسُ وَتَزَاحَفُوا، فَرَأَيْت أَصْحَابَ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَسُلّونَ السّيُوفَ وَقَدْ أَنْبَضُوا الْقِسِيّ وَقَدْ تَرّسَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِصُفُوفٍ مُتَقَارِبَةٍ لَا فُرَجَ بَيْنَهَا، وَالْآخَرُونَ قَدْ سَلّوا السّيُوفَ حِينَ طَلَعُوا، فَعَجِبْت مِنْ ذَلِكَ، فَسَأَلْت بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَلّا نَسُلّ السّيُوفَ حَتّى يَغْشَوْنَا) .
وهذا هو الأسلوب الذي اختارته القيادة النبوية في القتال؛ صفوف متراصّة يلي بعضهم بعضًا، وفي نفس الوقت يكون أعضاء الفريق في الصف الواحد متزاحمين، أي مقتربين جدًا من بعضهم قربًا لا يخلّ بالقتال، ويشعرهم أنهم كتلة واحدة، يجرّأ الشجاع فيهم الضعيف، ويلتحم الصف مباشرة ليسدّ ثغرة القتيل أو الجريح.
هذا فضلًا عن جعل كل صف من أصحاب صنف معين من السلاح؛ فالرماة في المؤخرة، والتعليمات إليهم واضحة؛ السهم برأس لا مجال لإهدار العتاد، فقد تطول المعركة ولا مدد ولا صديق قريب، والصفوف الأمامية من الفرسان الراسخين المشهورين بالطعن والنزال والثبات، يتقدمهم حملة الرماح لكسر ثورة الفرسان، وإصابة خيولهم لحرمانهم من ميزة القتال عليها والمناورة بها، وقبل وصولهم إلى الرماح كان الرضخ بالحجارة لإرباك الخصم وتشتيت صفوفه.