-في حديث مسلم وقصة عوف بن الحارث، أي ابن عفراء؛ جواز أن يحمل المسلم على جيش من العدو مهما كان عدده وعدّته وينغمس فيهم رجاء النكاية، مع غلبة الظن بالقتل، وهو ما جوّزه جمهور أهل العلم كما قال النووي فيما سبق، بل نقل الحافظ ابن حجر في (الفتح) عن المهلب أنه نقل الإجماع عل ذلك، فقال (12/ 391) : (وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَاز تَقَحُّم الْمَهَالِك فِي الْجِهَاد) .
واستُدل به على جواز العمليات الاستشهادية من حيث الغاية التي هي إعزاز الدين بالنكاية في العدو، وتجريء المسلمين عليهم، مع الفارق بين غلبة الظن بالقتل وتأكّده في الاستشهادية، ولكنه ليس من باب العدوان والظلم بقتل النفس، قال الحافظ في الفتح (12/ 391) :(وَنَقَلَ عَنْ الْمُهَلَّب أَنَّ قَوْمًا مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ -أي اِخْتِيَار الْقَتْل عَلَى الْكُفْر- وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ ... } الْآيَة، وَلَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ قَالَ تِلْو الْآيَة الْمَذْكُورَة:
{وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا} فَقَيَّدَهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ مَنْ أَهْلَكَ نَفْسه فِي طَاعَة اللَّه ظَالِمًا وَلَا مُعْتَدِيًا) .
ولاشك أن الاستشهاديين ما أهلكوا أنفسهم إلا طاعة لله، كما في قصة الغلام التي في صحيح مسلم (3005) وغيره، وكيف أقدَم على ما من شأنه أن يقتله يقينًا، رجاء مصلحةٍ راجحةٍ وهي إسلام قومه، الذين دخلوا بسببه في دين الله أفواجًا، وهذا من شرع من قَبلَنا الذي لا ناسخ ولا معارض له في نصوص الكتاب والسنّة. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/ 540) بعد ذكر قصّّّة الغلام: (وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل لمصلحة ظهور الدين) .
والأمر بالفعل وفعله؛ سواء في الحكم كما هو معلوم، وتكفينا هنا الإشارة للمسألة خوف الإطالة.