ثم إن أهل السير والمغازي اختلفوا في أي الرايات كانت أولًا؛ هذه أم راية أبي عبيدة بن الحارث؟ وجزم محمد بن يوسف الصالحي الشامي بأنها راية حمزة فقال: (وهو أول لواء عُقد في الإسلام، كما قال عروة وابن عقبة ومحمد بن عمر وابن سعد وابن عائذ والبيهقي وابن الأثير والدمياطي والقطب وغيرهم، وصحّحه أبو عمر رحمهم الله تعالى) [1] .
وقد أورد ابن إسحاق عن حمزة رضي الله عنه شعرًا يدل على أن رايته أول راية عقدت في الإسلام، ويذكر فيه عدة الصحابة وعدد العدو وما دار بينهم، ويرسم صورة جلية للحالة المعنوية العالية والعجيبة للصحابة عند القتال رغم التفاوت الهائل في العدد والعدة بين الفريقين، لكن قال ابن إسحاق [2] : (فإن كان حمزة قد قال ذلك فقد صدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقًا، فالله أعلم أي ذلك كان، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة بن الحارث أول من عُقد له) .
والقصيدة هي قوله:
أَلَا يَا لِقَوْمِي لِلتّحَلّمِ وَالْجَهْلِ ... وَلِلنّقْصِ مِنْ رَايِ الرّجَالِ وَلِلْعَقْلِ
وَلِلرّاكِبِينَا بِالْمَظَالِمِ لَمْ نَطَا ... لَهُمْ حُرُمَاتٍ مِنْ سَوَامٍ وَلَا أَهْلٍ
كَأَنّا تَبَلْنَاهُمْ وَلَا تَبْلَ عِنْدَنَا ... لَهُمْ غَيْرُ أَمْرٍ بِالْعَفَافِ وَبِالْعَدْلِ
وَأَمْرٍ بِإِسْلَامِ فَلَا يَقْبَلُونَهُ ... وَيَنْزِلُ مِنْهُمْ مِثْلَ مَنْزِلَةِ الْهَزْلِ
فَمَا بَرِحُوا حَتّى انْتَدَبْت لِغَارَةِ ... لَهُمْ حَيْثُ حَلّوا أَبْتَغِي رَاحَةَ الْفَضْلِ
بِأَمْرِ رَسُولِ اللّهِ أَوّلُ خَافِقٍ ... عَلَيْهِ لِوَاءٌ لَمْ يَكُنْ لَاحَ مِنْ قَبْلِي
لِوَاءٌ لَدَيْهِ النّصْرُ مِنْ ذِي كَرَامَةٍ ... إلَهٍ عَزِيزٍ فِعْلُهُ أَفْضَلُ الْفِعْلِ
عَشِيّةَ سَارُوا حَاشِدِينَ وَكُلّنَا ... مَرَاجِلُهُ مِنْ غَيْظِ أَصْحَابِهِ تَغْلِي
(1) - سبل الهدى: 6/ 11.
(2) - سيرة ابن هشام: 2/ 246.