ينشغلون بالرحلة والطلب، فيذهبون من المدينة، ويذهبون من العراق إلى اليمن، وإلى مصر ونحو ذلك، ويرتحلون، ولم يكونوا متفرغين لصناعة هذه القواعد، وإنما لهم كلام في النقد؛ دافعهم في ذلك عدم التقيد بالقواعد، وإنما البحث عن قوة الملكة وتحصيلها، ولهذا لا يستطيع الإنسان إذا ضعفت ملكته من جهة الحفظ أن يحكم على الحديث، أو أن يستوعب وجه العلة التي أعل بها ذلك الإمام تلك العلة في موضع الحديث أن يبصرها.
ولهذا أنت حينما تخالط شخصًا لمدة عشر سنوات، أو عشرين سنة، ويأتيك شخص آخر ويقول لك: فلان قال كذا، وأنت تعلم بأدب الرجل وعقله وخلقه ماذا تقول؟ تقول: هذا الكلام غير صحيح، فلان لا يقول هذا الكلام، تأكد. لماذا أنت أنكرت هذا؟ هل أنكرت بنظر العقل هكذا، أم بسبر حاله؟ بسبر حاله.
والسبر هو إدامة الإنسان للنظر إلى أشياء ليخرج بحكم على شيء واحد، والتدليل على السبر ضعيف، فلا يستطيع أن يقوى عليه الإنسان، وكذلك بالنسبة للأحاديث، فإن الأئمة الأوائل كسفيان بن عيينة، و الثوري، و يحيى بن معين، و ابن مهدي، وكيع بن الجراح، و أحمد بن حنبل و شعبة بن الحجاج وغير هؤلاء من الأئمة الحفاظ، كانوا يحفظون عشرات الآلاف من الأحاديث، فإذا جاء حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام تركيبه لا يجري على ما عندهم يقولون: هذا حديث منكر، وأنت تستغرب وتنكر هذا الأمر، ومن ثم تقوم بتطبيق هذه القواعد التي تدرسها على ذلك الإمام، وتكون حكمًا على أهلها، حكمًا على يحيى بن معين، على علي بن المديني الذي لديه ذلك الكم الكبير من الأحاديث.
... الفرق بين علماء العلل وعلماء العقل في إنكار الأحاديث
هل العلماء عليهم رحمة الله حينما ينكرون حديثًا ينكرونه بالتشهي والنظر العقلي، أم ينكرونه بموجب أحاديث نبوية لديهم؟
هذا الفرق بين علماء العلل والنقد وعلماء العقل، علماء العقل ينكرون على حسب أذواقهم، وبما يرون من مادة ينكرون هذا الحديث، ولهذا هناك من ينكر مثلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر بالعقل، وينكرون حديث الذبابة بالعقل، وينكرون حديث الدجال بالعقل، وغير ذلك مما يرونه محالًا، فهذا علل الحديث ورد الحديث بالنظر العقلي المجرد، لكن أولئك نظروا إلى سبر النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في عشرات الآلاف من الأحاديث، ثم جاء حديث دخيل عنها، لا من جهة التركيب ولا من جهة