فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 109

تقول: خمسين طريقًا كلها تدل على ضعفه، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بوحي من السماء ليدل على فضل الجرجير والديكة، جاء بفضل بأمور العبادة والدين وصالح شأن الناس العام، لا بفضل نبتات معينة، وهذا الأمر ظاهر.

ولهذا إذا رأيت كثرة الطرق متعددة لمعنى ضئيل فهذا أمارة على ضعف عقل من عدد هذه الأسانيد، ولهذا إذا رأيت حصاة صغيرة ربطها الإنسان بخمسة سلاسل، ثم قام بجرها، فهذا ليس بعاقل، لماذا؟ لأن السلاسل لا توضع لهذا الشيء، وهذا أمارة على الطرح.

وكثرة الطرق ينبغي أن تليق بالمنقول حتى نقبله، لهذا ينبغي لطالب العلم إذا رأى تعدد الطرق أن ينظر إلى قيمة المتن، فإن لها أثرًا عليه، وربما لو نظر إلى المتن رجع إلى الأسانيد فقام بطرحها كثرة، وربما لو رجع إلى المتن احتاج إلى واحد، وإذا زادت الطرق ضعفت الحديث، وهذا من القرائن، وهذا ما لا يجري عليه أكثر المتأخرين، يلتفتون إلى العدد، ولا يلتفتون إلى المعنى، ولهذا الإمام السيوطي رحمه الله حينما تكلم على حديث: (اطلبوا العلم ولو في الصين) ، قام بتحسينه لكثرة الطرق، بل يفتخر أنه أول من حسن هذا الحديث، وهذا الحديث لا يحتمل أربعين طريقًا، وقد ذكرها ابن المناوي عنه عليه رحمة الله في فيض القدير.

... تقديم صحيح البخاري وصحيح مسلم

قوله: (ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم) نقول: إنما قدم الأئمة البخاري و مسلم لأنه صاحب آلة، واجتمع فيه أمر الحفظ والملكة والسبر ومعرفة الرواة والبلدان والفقه كذلك، فكانا عليهما رحمة الله أشد الأئمة احتياطًا في ضبط المرويات، وكذلك انفراد الواحد منهما كالبخاري يلي الحديث المتفق عليه، ثم مسلم، وليس هذا على إطلاقه، وإنما هو الأغلب، ثم شرط البخاري و مسلم.

ثم ينبغي أن نتنبه إلى مسألة شرط البخاري و مسلم، وأن نحتاط في هذه المسألة، نحتاط على ماذا؟

نقول: إن إطلاق شرط البخاري و مسلم على حالين:

الحالة الأولى: أن نقول: إن الحديث على شرط البخاري و مسلم، وهذا أرى أنه مجازفة، فلا تليق بأحد من أهل العصر أن يطلق هذه العبارة، أن يقول: هذا الحديث على شرط البخاري و مسلم؛ لأن شرط البخاري و مسلم شرط أسانيد وشرط متون، للبخاري شرط في إيراد المتن، كما له شرط في إيراد الراوي والإسناد، وإذا كنت تملك ملكة البخاري في انتقاء المتن فحينئذٍ أطلق هذه العبارة. أما رواة البخاري فموجودون، وترى تراكيبها لك حق أن تقول: هؤلاء الرواة على شرط البخاري أو إسناده على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت