فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 109

لذاته].

... تمام ضبط الراوي

تقدم معنا الكلام على مسألة العدالة، وأشرنا إلى شروطها، وهنا ذكر المصنف بعد ذلك تام الضبط.

وهو هنا يريد الإشارة إلى شروط الحديث الصحيح، أو إلى تعريفه، فذكر تمام الضبط، يعني: أن الحديث لا يكون صحيحًا إلا وقد تم ضبط راويه، وأن عدم تمام الضبط بقدر نقصانه ينزل الحديث عن رتبة الصحة إلى ما دونها، سواءً كان ذلك الحسن، أو كان ذلك الضعيف، وهذا له مراتب أيضًا من جهة الحسن، حسن لذاته أو حسن لغيره، ضعيف في ذاته، أو ضعيف في غيره، فمن العلماء من يتوسع في مسألة الضعيف، ومنهم من يجعل الضعيف اسمًا واحدًا، فيقول: هو الضعيف، تعددت طرقه أو لم يتعدد؛ لأن ما دون الضعف لا ينجبر، ونقول: قد نحتاج إلى تقوية الضعيف بغيره، ممن ضعفه شديد، ولكن هذا الضعف يحمله العلماء إذا كان في غير الأحكام، كأبواب التفسير والسير والمغازي، ولو جعلناها في الأحكام لكان ضعفها شديدًا، ولكن يحملها العلماء في أمور الأحكام، فترتقي من شدة الضعف إلى ما هو أعلى منها، وقليلًا ما يستعمل العلماء ذلك في أمور الأحكام.

ولهذا نقول: إنه لا بد لراوي الحديث أن يكون ضابطًا.

... أنواع الضبط

والضبط على نوعين: ضبط صدر وضبط كتاب، وضبط الصدر هو الحفظ، وضبط الكتاب هو التدوين، والإنسان إذا كان ضابطًا لكتابه متقنًا له عالمًا بالدخيل فيه لو أدخل فيه ما ليس في غيره، فإنه حينئذٍ يكون أضبط من حفظ أو ضبط الصدر، ولكن الكتب والألواح في زمانهم التي يضبط فيها ليست كزماننا؛ ولقلتها وندرتها تستعار، فيستعير الإنسان اللوحة من فلان، ويأخذها فلان، ويقرأ فيها فلان، ويقرأ فيها فلان، فربما أدخل فيها واحد من الحديث ما ليس منه، خاصة مع ضعف الناس في باب القراءة في ذلك الزمن، فهم حدثاء عهد بأمية، وربما غاب على الإنسان خطه وتمييز ما يقرأ، واختلال أو اندماج خطه مع خط غيره.

لهذا نقول: إن الإنسان إذا كان ضابطًا وحافظًا لمكتوبه من الدخيل فيه، وضابطًا لتدوينه عمن سمعه منه، فإنه أولى من ضبط الصدر؛ لأن الوهم يرد على ضبط الصدر أكثر من ضبط الكتاب، ولكن ضبط الصدر يقدم على ضبط الكتاب في قوة الملكة، يعني: في إعطاء قوة الملكة للإنسان يكون ذلك بضبط الصدر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت