فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 109

هي أحاديث نجزم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قالها إلا مرة، أو نجزم أن الصحابي ما قالها إلا مرة، ولهذا حديث: (إنما الأعمال بالنيات) ، وهو في الصحيحين، قاله عمر بن الخطاب على المنبر مرة واحدة، ورواه عنه علقمة بن وقاص الليثي، فنقول حينئذٍ: إن هذه الرواية عن علقمة عن عمر إنما هو سماع واحد، وأخرجه البخاري في كتابه الصحيح في سبعة مواضع، وكل موضع يختلف لفظًا عن الآخر، وإن اتفق من جهة المعنى، فتارة يختصر، وتارة يكون ثمة مغايرة في اللفظ.

ولهذا نقول: إن تجوز الأئمة عليهم رحمة الله في الألفاظ مع قطعهم ويقينهم أن الحديث ما جاء إلا من وجه واحد، ولا حكاه الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا في موضع واحد فنقل عنه؛ لأن الأصل في الصحابة خاصة في الخطب وأمثالها أنهم لا يعيدون الكلام، حتى لا يستثقله السامع إلا في حال البيان لأمر مهم حتى لا يستشكل الناس، أو ربما جاء أحد من الناس متأخرًا فيعاد الكلام إليه، ولهذا جاء عن أنس بن مالك عليه رضوان الله كما في الصحيح (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثًا، وإذا سلم سلم ثلاثًا حتى يفهم عنه) ؛ لأن الإنسان ربما يدخل مجلسًا وفيه العشرات من الناس، فيسلم في ابتداء الدخول وفي وسط الدخول وفي نهايته حتى يسمع الناس السلام، أما إذا دخل الإنسان مثلًا على واحد فيسلم عليه: السلام عليكم ورحمة الله، ثم لا يعيد هذه العبارة، أو دخل على اثنين أو نحو ذلك.

إذًا: التكرار في ذاته ليس مقصودًا في كلام النبي عليه الصلاة والسلام إلا لأجل الإسماع، وكذلك لأجل الإفهام.

وقد صنف غير واحد من العلماء في مسألة التصحيف والتحريف، وكذلك في جواز الرواية بالمعنى.

ونحن نقول: إن جماهير السلف على جواز الرواية بالمعنى من عالم بالمعنى، لا يغير الإنسان اللفظ ويحيل المعنى، فربما جاء بتراكيب أخرى.

... بعض المؤثرات في رواية الحديث بالمعنى

الحديث كلما بعد مخرجه عن المدينة غلب عليه تغير اللفظ، لماذا؟ لورود العجمة، وأشهر الرواة تغييرًا للمعنى هم الكوفيون، وهم أكثر الرواة من التابعين، والتابعون من الكوفيين أكثر من التابعين من المدنيين؛ لكثرتهم ووفرتهم وإقبالهم، والمدينة قليلة، والناس فيها قليل، ولكن لما مصرت الأمصار في العراق في الخلافة الراشدة كثر اجتماع الناس عليها، وذلك للرزق فيها وجوها، ولأنهارها وسعة العيش فيها، وتواطأ الناس بالإتيان إليها، ثم كانت موضعًا لانطلاقة كثير من الفتوحات؛ لقربها من الأطراف، بخلاف المدينة فهي بعيدة، فكان يستوطن فيها المجاهدون، ويستوطن فيها كذلك طلاب العلم وأصحاب المصالح من التجارات وغير ذلك، فكانت أكثر اتساعًا، وكان التابعون من أهل الكوفة أكثر من التابعين من أهل المدينة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت