وما هي القرائن التي تعضد المرسل؟
نقول: القرائن التي تعضد المرسل كثيرة، منها: أن يوجد تعدد لمخارج هذا المرسل، مما يغلب على الظن عدم اتحاد طريقه، مثلًا يوجد المرسل عند المكيين، عند المدنيين، عند الكوفيين، عند المصريين، وغير ذلك، فتعددت المخارج، ولا يلتقي أولئك الرواة من التابعين بشيخ ضعيف، فحينئذٍ يغلب على الظن تعدد المخرج، وهذا من مواضع الاعتضاد.
ومن مواضع الاعتضاد أيضًا في المرسل: ألا يخالف من هو أقوى منه من الحديث المرفوع، أو من إجماع الصحابة، أو فتيا جمهور الصحابة أو الخلفاء الراشدين أو غير ذلك، فهذه من القرائن التي تقوي العمل بالمرسل، فيكون المعنى حينئذٍ حديثًا مستقيمًا، ولا يخالفه في ذلك شيء.
وكذلك إذا عضده شيء من أدلة الاستدلال كالقياس، وكلما كان القياس قويًا كان أقرب إلى الاحتجاج بالمرسل، كوجود قياس الأولى، أو قياس الشبه، أو ما دون ذلك، وكلما ارتفع في ذلك القياس كان الاحتجاج بالمرسل أظهر.
وأما إطلاقات العلماء في قولهم: (مراسيل فلان صحيحة) فيفيدون بذلك أن هذه المراسيل هي أصح من غيرها، ولا يقصدون بذلك صحة هذه المراسيل على الإطلاق، وإنما قلنا بذلك وحملنا هذا الحديث، وقد يخالف ظواهر كلام الأئمة في قولهم: (مراسيل فلان صحيحة) أننا نجمع بين كلام الأئمة وبين عملهم؛ حتى لا نتهم أولئك الأئمة بالتعارض والتناقض، فإن الأئمة يقولون: مراسيل فلان صحيحة، ثم هو في موضع آخر يكون ضعيفًا، ثم أيضًا لا يحتج بها.
إذًا: هذا الإطلاق مرادهم فيه أنكم تعلمون أن هذه المراسيل ضعيفة، لكن هذا يختلف عن هذا، وهو أحسنها حالًا، وينبغي ألا يطرح.
وثمة مصنفات للأئمة عليهم رحمة الله في ذلك تسمى كتب المراسيل، منهم من يريد سقوط الصحابي، ورواية التابعي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم من يريد بذلك الانقطاع: فلان لم يسمع من فلان، كالمراسيل لابن أبي حاتم، والمراسيل للعلائي، والمراسيل لأبي داود، ومثل ذلك ما يرويه التابعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.