فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 109

بدعة مخففة، ولكنه داعية إليها، فهذا ينشر البدعة، وهو شر ممن يبتدع بدعة أشد منه لا تكفره، ولكنه لا يدعو إليها وله تأويل فيها، فيحذر من الأول أشد من التحذير من الثاني؛ لأنه يعتقد هذا الشيء وبقي عليه، ولا يحدث بذلك أحدًا، ولهذا الثاني ربما يغشى ويسمع منه بخلاف الأول، لماذا؟ لأنه يسعى إلى نشر البدعة، والبدعة تجر غيرها، حتى تتعاضد تلك البدعة، بخلاف هذا الرجل لديه بدعة وربما ماتت معه بدعته ولم تنتشر، ولهذا لا بد من النظر إلى هذين الاعتبارين: إلى غلظ البدعة وخفتها، وكذلك إلى الداعي وغير الداعي.

... رواية الراوي للحديث إذا كانت بدعته مكفرة

البدعة المكفرة إذا ظهرت من الإنسان، نقول: عمل العلماء إلى عدم قبول رواية الراوي الواقع في بدعة مكفرة، وهذا كبدعة الرفض، وبدعة الجهم، وغير ذلك، وإن كان متأولًا، وربما جاء عن بعضهم القول بالقبول منهم، قالوا: لأنه متأول، وغاية الخوف على الحديث هو الكذب في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ثم هذا الراوي يلين ويتعود هذا كما نتعود الحق.

فنقول: إن مثل هذا الحديث إذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينفرد به أمثال هؤلاء الذين يقعون في بدع مكفرة؛ لأن دين الله محفوظ، وما لا يوجد إلا عند مبتدع، فإنه لا قد يثبت في الدين شيء من ذلك إلا وقد ثبت عند أئمة الإسلام، فهل الصحابة لا يروي عنهم سنة إلا من عرف ببدعة الرفض أو بدعة الجهم؟! فأين الأصحاب من التابعين المقربين منهم لا ينقلون عنهم ذلك، وكذلك أين أتباع التابعين لا يروون عن الأجلاء من أهل الحق، أتباع السلف الصالح من التابعين وأتباع التابعين لا يروون عنهم ذلك، فلا يروي عنهم إلا من وقع في بدعة مغلظة.

ولهذا نقول: إن من وقع في بدعة مغلظة مكفرة فلا تقبل روايته بحال، دعا إليها أو لم يدع إليها.

... رواية المبتدع للحديث إذا كانت بدعته غير مكفرة

وأما البدعة غير المكفرة وهي البدعة المخففة مما يقع في بعض الطوائف من الإرجاء في مسائل العمل، وكذلك بعض مسائل الخوارج وغير ذلك، فنقول: إن العلماء يحذرون من الرواية عن المبتدع عمومًا بكل حال، حتى لا يكثر سواده في ذلك، فينساق إليه الناس والعامة، ويتسبب الطالب أو العالم بإشهاره حتى ينساق إليه الناس، فيتأثرون ببدعته من حيث لا يشعر، ولهذا العلماء ينهون عن رواية عن المبتدع وربما أخذوا عنه؛ لأن أخذهم في ذلك لم يكن إشهارًا، إما لقيه في طريق، أو لقيه في حج، أو لقيه في موضع فسمع منه وهو عدل في ذاته، ويتأول في بعض المسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت