فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 109

لدينا تصحيف وتحريف، وقيل: إنهما بمعنى واحد، والتصحيف هو المشابهة بظاهر الرسم مع الاختلاف في النطق، فهذا يسمى تصحيفًا، يعني: الحروف رسمها واحد ونطقها يختلف، مثلًا حبان وحيان، وكذلك زبيد وزييد وغير ذلك، فالرسم واحد، ولكن النطق لاختلاف النقط اختلف من جهة اللفظ، كذلك حتى من غير التشابه أحيانًا بالرسم في الحروف، ولكن يكون ثمة تشابه بالخط في الظاهر كحمد وعمر، فمحمد إذا كتبها الإنسان على سبيل الاستعجال تكون مشابهة لكتابته لعمر، فيكون رأس العين كأنه ميم، ثم أسفل العين كأنه حاء، ثم الميم توافق ميم محمد، ثم الراء تكون دالًا، وهكذا، فيكون ثمة مشابهة خاصة أن محمدًا وعمر ليستا بمنقوطتين، فيقع في ذلك تصحيف.

ومن العلماء من يقول: إن التحريف هو إذا جاء بلفظ وصورة جديدة، كأن يغير محمدًا إلى إسماعيل، فهذا اختلف في الرسم واختلف في النطق، ولا تشابه بينهما، وغالب التحريف يكون من الإنسان وهمًا من ذاته أنه كتب أو نطق هذا الشيء، أو ربما يكون من بعض الرواة -وهو قلة- كذبًا، فيغير بعض أسماء الرواة؛ إما أن يكون ذلك لتعدد الطرق أو نحو هذا، فنقول: هذا يعرفه العالم الحاذق المستبصر في هذا الأمر.

لهذا ينبغي لطالب العلم أن يعرف المتشابهات رسمًا والمختلفات نطقًا، تتشابه من جهة الرسم، وتختلف من جهة النطق، وقد كانت الكتابة في الزمن الأول تكتب من غير نقط، ولكنهم يعرفونها، فمنها ما يعرف بسياقه، ومنها ما يعرف بضبط الأسماء، فيعرفون أن هذا الاسم لا يأتي تابعيًا، وإنما يأتي صحابيًا، أو هذا لا يأتي صحابيًا، وإنما يأتي تابعيًا أو تابع تابعي أو نحو ذلك، بخلاف ضعف الإنسان وجهله في مثل هذا، ربما إذا تشابهت عليه الأسماء نطقها بنطق واحد، فاختلط عليه الأول بالثاني؛ لأنه لا يعرف الطبقات، فمعرفة الطبقات مهمة، وممارسة اللفظ النبوي من جهة الحفظ، وإدامة النظر يعطي طالب العلم ملكة قوية بالتمييز بين السياقات ومعرفة كذلك مواضع التدليس.

... رواية الحديث بالمعنى

قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني] .

هذه المسألة مسألة الرواية، رواية الحديث بالمعنى، نقول: إننا نقطع أن الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في أصح الكتب عنه عليه الصلاة والسلام كصحيح البخاري و مسلم لم تنقل عن النبي عليه الصلاة والسلام بحروفها كالقرآن، وإنما ثمة شيء من زيادة الحروف غير المغيرة للمعنى، وهذا دليل على تجوزهم، فلو كانوا يقطعون بالتحريم لثبت ذلك حفظًا وضبطًا كما ضبطوا القرآن، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ السنة من ربه وحيًا لفظًا، ثم يوردها معنى بحسب الحال، فإذا أوردها معنى للأمة أخذوها كذلك بمعرفة مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيروونها كما سمعوها، ولو زادوا في ذلك حرفًا أو نقصوه لا يؤثر في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت