إن معرفة مواضع الانقطاع وأنواع الانقطاع مما يعطي طالب العلم معرفة بإمكان دفع العلة أو عدم دفعها، بحسب قوة تلك العلة، وطالب العلم لا بد أن يكون بصيرًا بمعرفة دوافع أمثال هذه العلل، ومعرفة القرائن، فإذا كان بصيرًا بمعرفة الرواة، ومعرفة بلدانهم، ومعرفة شيوخهم، وكذلك طول أخذهم، ومعرفة أعمالهم، فيعرف المواليد والوفيات وطول العمر، وعمر هذا الراوي، من جهة عمره في أخذه، وطول ترداد الحديث لديه، ومن جهة ضبطه، والذي يأخذ متأخرًا يختلف عن الذي يأخذ متقدمًا، فالذي يأخذ متقدمًا ويجالس العلماء قد يكون تكرر لديه الحديث كثيرًا، وهو أضبط من غيره.
وكذلك يعرف مواضع الانقطاع وغيره، فتارة يكون الانقطاع مدفوعًا ويصح الحديث، وتارة يكون ثمة اتصال ويعل الحديث، لماذا؟ لأن الاتصال ليس زمنًا طويلًا، وقد تقدم معنا أن الحديث المنقطع إذا فقدنا راو من الرواة في حلقة من الإسناد ثم وجدنا قرائن احتفت، ودفعت هذه العلة فإننا نصحح الحديث المنقطع.
وأحيانًا نشدد في الاتصال مع ثبوته، وإذا سئلنا عنها أثبتناه، ولكن نعل ذلك؛ لماذا؟ لأن الاتصال ليس طويلًا، بمعنى أن الراوي الذي يكون عمره ثمانين سنة، والتلميذ ولد في آخر زمن الشيخ وقبل وفاته بعشرين سنة، إذًا سمع منه بنحو عشر أو خمس سنوات، في الأحاديث الكبيرة القوية أو نحو ذلك، وإذا كان الشيخ ممن يكثر من الرواية وله أصحاب كبار يروون عنه، فهذا علة، وسبب العلة أن الاتصال ليس طويلًا، مع كوننا نثبته، فكيف دفعنا علة انقطاع ظاهر متباين في حلقة مفقودة، ودفعناها بقرائن، وأعللنا اتصالًا ظاهرًا وشددنا وطلبنا زمنًا من الاتصال طويلًا، أليس في هذا تعارض بين الأمرين؟ نعم ثمة تعارض بين الأمرين؛ لماذا؟ لأن هذا الحديث الذي يرويه حديث كبير ينبغي ألا يبقى في صدر العالم إلا وقد أخرجه مرارًا، فبقاؤه في نفسه خمسين سنة أو أربعين سنة ولم يروه إلا في آخر حياته أمارة إما على وهم التلميذ، أو تحفظ الشيخ على مثل هذا الحديث، فأخرجه في آخر عمره تأثمًا وخشية أن يبقى لديه هذا الحديث، فأخرجه مع غلبة ظن بوهمه أو نسيانه، أو عدم ضبطه.
... التدليس والمرسل الخفي
قال المصنف رحمه الله: [والثاني: المدلس، ويرد بصيغة تحتمل اللقي كعن وقال، وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق من حدث عنه] .
التدليس مأخوذ من الدلس، وهو اختلاط ظلمة الليل بنور النهار، وهو اختلاط الشيء بشيء آخر، أو شيء