فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 109

فكلما كثر ضبط الصدر عند الإنسان قويت ملكته، واستطاع حينئذٍ أن يكون ناقدًا أكثر من غيرهم ممن يدونوا.

... طرق معرفة ضبط الراوي

لكن كيف نعرف أن هذا الراوي ضابط أو ليس بضابط؟

نعرف هذا بأمور: منها ما ينص الأئمة عنه بضبطه، وذلك أن الأئمة عليهم رحمة الله يعرفون الراوي بأمور: إما بالمعاينة والمشاهدة؛ خالطوه فرأوه، وسمعوا كلامه وأخباره وأحاديثه، ونقله للكلام في أمور الناس، فعرفوا أنه يضبط الكلام، ولا يزيد فيه ولا ينقص حتى في أمور الناس، في تجاراتهم وأخبارهم ونحو ذلك، فهذا نوع ضبط، فيعطيهم ذلك إحسان ظن به في تحمله للكلام وقوة إدراكه له، وعدم الزيادة والنقصان فيه، وهذه المخالطة أمر قد رفعه الله عز وجل عن المتأخرين، وجعلها الله عز وجل لبعض أو لكثير من المتقدمين بحسب ما يدركونه من الرواة.

ولهذا نقول: إن الأئمة الأوائل جعل الله عز وجل لهم من الخصائص من معرفة النقد ما لا يوجد عند المتأخرين، حتى لو أرادوا تحقيقه فإن تحقيقه محال، ولو أرادوا فلا يوجد بالتعلم، وإنما هو أمر قدري أوجده الله عز وجل لهم ثم رفعه عمن كان بعدهم، ولهذا من الأئمة من عاين شريك بن عبد الله النخعي، ورآه وعرف ضبطه، وكذلك ابن لهيعة ونحو ذلك، فعاينوهم وعرفوا أحوالهم وأخبارهم وأحاديث الناس عنهم، أما من جاء بعدهم فإنهم لا يستطيعون أن يحكموا عليهم إلا بتقرير كلام الأئمة الذين نقلوا عنهم تلك الأحكام أو بسبر مروياتهم، وهو الأمر الثاني في معرفة الراوي.

إذًا نعرف أن الراوي ضابط إما بلقيه من العلماء، وإما بسبر مرويات الراوي.

وما معنى السبر؟

السبر هو أن يتأمل الإنسان أحوالًا أو أعيانًا متعددة ليخرج منها بحكم على عين، يعني: يتأمل عشرة أمور ليخرج بحكم على واحد، فالإنسان مثلًا إذا كان معلمًا، أو كان تاجرًا، أو كان زارعًا يريد أن يتخذ أجيرًا أو عاملًا أو نحو ذلك، فيقوم بإجراء مقابلات مع عشرة وعشرين وثلاثين، وهذا نسميه السبر، وهو يريد واحدًا، ويريد من قراءة أحوال العشرين أن يخرج أعلاهم مرتبة، لكن لو رأى واحدًا منهم منفردًا وهو أدناهم ربما استحسنه، وقدمه على غيره، ولهذا كلما كثرت مسألة السبر لدى الإنسان والمادة المسبورة كان حكمه في ذلك أدق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت