قولك، وربما لا يكون قويًا، وأما بالنسبة للاستدلال، فالدليل لا بد أن يكون صحيحًا، وأما مسألة الاحتجاج فقد يحتج الإنسان بما لا يصلح أن يكون دليلًا، كاحتجاجه ببعض الموقوفات والمقطوعات، وأقوال الأئمة وبعض المراسيل، ونحو ذلك، فهذا يجعلها الإنسان في دائرة الاحتجاج، ولهذا يتساهلون في ذلك.
وتقسيم المصنف رحمه الله الحديث إلى مقبول ومردود هو مسبوق إلى هذا.
قوله: (ثم المقبول: إن سلم من المعارضة فهو المحكم) الحديث المقبول هو ما يحتج ويستدل به، وإذا كان ظاهر المعنى ومقبولًا من جهة العمل به، فهو وإن لم يكن ثمة معارض له فهو المحكم، يعني: لا يدانيه شيء من التشابه، أو التداخل، أو التعارض، أو التقييد، أو غير ذلك.
والإحكام كما أنه في السنة يكون كذلك في كلام الله عز وجل، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] ، يعني: ثمة آيات محكمة، وثمة متشابهة، وثمة في السنة محكم وثمة متشابه، والسنة يكثر فيها الإحكام لأنها تفصيلية، وكلما كان اللفظ عامًا داخله التشابه، وذلك أنه يدخل فيه ما لغيره.
وقد يكون الدليل من الآية أو الحديث في ذاته محكمًا، ولكنه مشتبه عند بعض الناس، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس) ، لكن هي في ذاتها محكمة، ولكن كثيرًا من الناس اشتبهت عليه فأصبحت ليست من الحلال البيّن ولا من الحرام البيّن، واشتباهها عند كثير من الناس لا يخرجها من أحد النوعين: الحلال أو الحرام.
وكلما توسع الإنسان نظرًا واستيعابًا لجزئيات ومعاني الأدلة وما يضادها وكذلك للقرائن المحتفة بها، ومعرفة الأدلة القوية، وما دونها التي يحتج بها العلماء كمعرفة أدلة الكتاب، وأدلة السنة، ومعرفة مواضع الإجماع ومراتبه، وأقواه وأدناه، والقياس بأنواعه، وعمل الصحابة عليهم رضوان الله، وما يتعلق بالمصالح المرسلة والاستحسان وغير ذلك من الأدلة التي يذكرها الفقهاء، كلما كان بصيرًا بها فيعرف ما يقدم وما يؤخر، ويتجلى له ما لا يتجلى لغيره.
وقوله: (سلم من المعارضة) يعني: ألا يوجد في بابه غيره، أو يوجد في بابه ما يؤيده ولا يعارضه، فهذا يكون حينئذٍ محكمًا، وينبغي أن يعلم أن الحديث قد لا يعارضه أو يوجد في بابه ما يعارضه، ولكن يوجد