بالمعاصرة وإمكان اللقي، فإذا تعاصرا وأمكن اللقي، ولم يتهم الراوي بالتدليس فحينئذٍ يكون الحديث متصلًا.
وثمة قرائن إذا وجدت احتمل في ذلك الانقطاع، وذلك في قرائن متعددة منها:
القرينة الأولى: الاختلاف في البلد، وتباعدهما، وذلك إذا كان الراوي مثلًا خراساني الشيخ، وتلميذه يماني، فيحدث اليماني عن الخراساني بحديث بصيغة العنعنة، وهذا إذا لم يكن ثمة قرينة بقرب البلد فيزيد احتمال عدم السماع للتباعد، وكلما تقاربت البلدان وزادت المدة فهذا من القرائن في القبول وأنه سمع منه.
القرينة الثانية: طول زمن المعاصرة؛ لأنه إذا زاد زمن المعاصرة زال احتمال السماع، فحينما يتعاصر اثنان في بلدتين متباعدتين فإن احتمال اللقي في ذلك قليل، كأن يكون عمر الشيخ ثمانين، وعمر التلميذ عند وفاته عشرون، فالغالب أن همة الطالب في الارتحال والانتقال ولقي الشيوخ تكون بعد سن الخامس عشرة، وكلما تأخر الناس في ذلك زمنًا تأخروا كذلك عناية في هذا الباب، وهذه الفترة مع تباعد البلدان تدفع الجزم بالسماع لماذا؟ لأن الطالب يحرص على العناية بعلماء بلده، فإذا استنفدهم يأخذ من الأبعدين، إذًا هذه المدة ليست بكافية أن يأخذ بمحيطه ومن حوله، كأن يكون مدنيًا، أو يكون صنعانيًا، أو يكون مكيًا، أو يكون كوفيًا أو نحو ذلك، فيحتاج إلى الأخذ من علماء بلده، وهم أقرب من أن يروي ويذهب إلى الخراسانيين في فترة زمنية من سنتين إلى ثلاث سنوات إلى أربع أو خمس سنوات، إذًا فضعف المدة بين الراويين في رواية لا تفيد السماع بالعنعنة والأنأنة أن اجتماع التباعد بين البلدان وقلة المدة الزمنية من قرائن عدم السماع وترجيحه على السماع، ولهذا نقول: إذا وقع الخلاف في مثل هذا واجتمعت القرائن في مثله فإن هذا دليل على عدم سماعه.
القرينة الثالثة: كثرة المروي وقلته، وهذه لها أثر على ترجيح أحد الأمرين، لا الجزم به، فإذا تباعدت البلدان ولم يرو إلا حديثًا واحدًا مع قلة الزمن، فهذه قرينة على عدم اللقاء، ولماذا نقول: قرينة على عدم اللقاء؟ لأنه لا يرتحل ليسمع حديثًا واحدًا، وإنما يرتحل وقد جمع همته على أن يأخذ ما لدى الشيخ من حديثه أو من أهم حديثه؛ وهو ما قصده بالارتحال بالذهاب إلى ذلك البلد إلا وقد نوه باسم ذلك الشيخ بجمعه للحديث والسنة، فيذهب إليه ويرتحل ويأخذ حديثًا واحدًا وهو في زمن قصير، فهذا من قرائن عدم السماع.