وأفراده، واستطاعوا أن يميزوا بلا دلالة، يعني: لا يستطيع أن يدلل أن هذا دخيل عليهم، كما تميزون أنتم أن هذا دخيل عليكم، أو هذا من الأطراف، أو من الوسط، أو من الشرق أو من الغرب، وهذا ما يسمى بالملكة التي ليس لها قاعدة.
والعلماء يسمون أهل الحفظ وأئمة الحديث بالنقاد لماذا؟ أخذًا من النقدين الذهب والفضة، ويسمون بالصيارفة، من الصرف بمعرفة المزيف عن غيره.
ولهذا تجد الصيارفة الذين يتعاملون بالنقدين الذهب والفضة ينظر إلى هذه العملة، ثم يقول: هذه العملة مزيفة، مع أنك ترى أنها مطابقة لها، ولهذا كان النقاد الأوائل والصيارفة للذهب والفضة حينما يأتيهم أحد بدينار أو درهم يقوم بوضع الدينار والدرهم على حصاة ثم يسمع طنينه، ولطنينه تمييز، فيقول: هذا مزيف أو غير مزيف، وحينما تأتي أنت تقول: ما الفرق بين هذا الطنين وهذا الطنين هل يستطيع أن يشرح لك؟ لا يستطيع، ولهذا ابن أبي حاتم رحمه الله ذكر عن أبيه وعن أبي زرعة يقول: أتيتهم بعشرين حديثًا، وسألت أبا زرعة عن حاله فيقول: هذا منكر، وهذا لا أصل له، وحينما أقول لهم: لماذا؟ يقول: لا أدري، لكن هل يستطيع أن يدلل؟ لا يستطيع أن يدلل؛ لأن الشاذ لا يمكن أن يدلل عليه، وهذا هو علم العلل؛ أي: أن ينقدح في ذهن الإنسان انقداحًا شديدًا أن هذا دخيل وهذا مزيف، فالقاعدة سهل أن الإنسان يدلل عليها.
حتى في أهل الطب تجد أن الطبيب ينظر إلى ملامح الإنسان ويقول: أنت فيك كذا؟ لأنه عرض عليه ألف أو ألفان أو عشرة آلاف شخص، فعرف أن ملامحهم تشابه ملامح هذا الوصف، ولكن لو جاءه هذا منفردًا ولم يأت أحد قبل هل يعرفه أو لا يعرفه؟ لا يعرفه، كحالك أنت حينما يأتيك حديث منفرد، ولم يمر عليك حديث قبل ذلك تريد أن تطبق عليه قواعد علم الأحاديث فتقوم بتصحيحه وهو ضعيف، أو بتضعيفه وهو صحيح، وتجد أن الأئمة قد خالفوك في ذلك، وتقوم بالجسارة على الأئمة.
ولهذا نقول: إن علم الحديث هو علم معرفة ما خرج عن علم العلل، وعلم ما خرج عن القواعد، أما هذه القواعد فيسهل على الإنسان أن يعرفها.
... سبر أحاديث الرواة
كما ينبغي أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أصحابه بالأحاديث، والصحابة حدثوا بها التابعين، والتابعون حدثوا بها أتباع التابعين، فلما دونت هذه المصنفات وأصبحت في دواوين كان الأئمة قبل ذلك