قال المصنف رحمه الله: [وإن عورض بمثله: فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث أو لا] .
قوله: (وإن عورض بمثله) يعني: إما أن يعارض بمثله، وإما أن يعارض بأقوى منه، وإما أن يعارض بدونه.
فإن عورض بمثله فحينئذٍ لا تستطيع أن تحسم الأمر، قوي يقابل قويًا.
وإما أن يعارض بما هو دونه فحينئذٍ يقدم الأقوى، ولماذا نقدم الأقوى مع كون الأدنى قد يكون صحيحًا أو حسنًا؟ نقول: لأن العادة أن الأئمة يعتنون بنقل وضبط المحكم وما استقر عليه الأمر، ولهذا نقدم الصحيح على الحسن عند التعارض، ونقدم أيضًا الصحيح على ما دونه ولو كان بمرتبة الصحيح، فكل صحيح يوجد ما هو أصح منه، ونقدم ما هو أصح في هذا ا لباب.
وقوله: (فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث) كيف يكون مختلف الحديث مع إمكان الجمع؟ إذا جمعنا بين الروايتين حينئذٍ لم يكن ثمة إشكال، وإنما أراد المصنف أن يبين أنه مختلف الحديث في ظاهره، ولكن من جهة الحقيقة فإنه يمكن أن يجمع الإنسان بين هذا، وهذا كثير في السنة، وخاصة في أبواب المنهيات وأبواب المأمورات.
من ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، كحديث حميد بن عبد الرحمن عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعًا) ، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى أنه اغتسل من فضل بعض أزواجه، وجاءت أحاديث أخرى (أن النبي عليه الصلاة والسلام اغتسل بفضل ميمونة أم المؤمنين عليها رضوان الله) .
ولهذا نقول: إن الجمع في ذلك أن يحمل النهي على كراهة التنزيه، ويحمل الفعل على الترخيص، وهذا له فضائل كثيرة فيما يتعلق بالمأمور.
وحينئذٍ نقول: إذا عارضه مثله فإن المعارضة تضعف النهي عن ظاهره، أي: بدلًا من أن يكون مرتفعًا بالتحريم تنزله إلى المرتبة التي دون ذلك، فالأمر إذا كان ظاهرًا، فإنه يكون للوجوب في كثير من الأحيان، وإذا جاء ما يخالفه أنزله من مرتبة الوجوب إلى ما دونه، ولا نستطيع أن نلغيه وننزله إلى ما دون ذلك؛ لماذا؟ لأن هذا إهمال له، والقاعدة تقول: إعمال الدليل أولى من إهماله.