ما هو دونه مرتبة فيعارضه ويقوم على إضعافه، وربما إعلاله أو صرفه عن ظاهره.
مثلًا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) ، فهذا الحديث جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من طرق متعددة، منها حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وجاء من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وجاء من طرق أخرى مرفوعًا وموقوفًا، وجاء أيضًا من حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، وجاء من حديث أيضًا المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الذي خالفهم في ذلك؟ هل يوجد ما يعارض هذا الحديث صراحة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا أعلم في ذلك شيئًا، ولكن الإجماع على خلافه، أي إجماع؟ عمل الصحابة والتابعين، ولا يكاد يوجد من يقول بهذا الخبر.
إذًا يدفع هذا الحديث إما بإعلاله، أو نسخه، ولهذا نقول: إن عمل الجيل الأول والإجماع إذا استقر أيضًا عندهم أن ذلك يرد الحديث ولو كان ظاهره الصحة، لماذا؟ لأن أولى الناس بالاتباع والنقل هم الصحابة عليهم رضوان الله، فإذا لم يعملوا ولم يعرف عنهم العمل بمثل هذا، خاصة فيما تعم به البلوى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الجنائز، وتغسل الجنازة كثيرًا، ويشهد الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن جاء بعدهم أيضًا. ثم لم يقل بمثل هذا أن جعلوا غسل الميت يوجب الغسل منه، فنقول حينئذٍ: هذا دليل أو أمارة على صرف الحديث أو رده.
وقد جاء عن إبراهيم النخعي أنه قال كما رواه ابن أبي زيد: أي حديث يأتيني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغني أن أحدًا من الصحابة عمل به لا أبالي أن أرمه، لماذا؟ لا بد أن يكون هذا الحديث مدخولًا، وليس استهانة بالحديث أو تقديم قول الصحابة على قول النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يريد بذلك أن هذا الحديث دخله داخل، إما وهم فيه، أو رفعه وهو موقوف، أو كان منسوخًا؛ لأن أولى الناس بالعمل خاصة في المسائل الظاهرة هم الصحابة عليهم رضوان الله، وهذه مسألة من المسائل الظاهرة، وليست من المسائل الخفية.
ثم إن الحكم في ذلك ثقيل وهو الغسل، والغسل ليس كغيره، ولو كان وضوءًا كانت المسألة خفيفة، لكن غسل، ومثل هذا يتأكد ويشتهر أن من غسل ميتًا أو شارك في غسله فإنه يجب عليه أن يغتسل، وينبغي للأدلة أن تظهر بذلك أكثر من غيرها.