بأشياء حتى لا يميز الإنسان بينهما، فلا يميز الإنسان مثلًا بين الاتصال والانقطاع، أو بين راويين، إما أن يكون في الراوي، أو يكون ذلك بالسماع.
قوله: (وكذا المرسل الخفي من معاصر لم يلق من حدث عنه) يعرف الاتصال بالتاريخ، وكذلك بثبوت السماع إذا صرح الراوي بالسماع من شيخه، فأمكن في ذلك لقاؤه، فنقول حينئذٍ بغلبة الظن وثبوت السماع بذلك فنأخذ بهذا.
والعلماء في ذلك بين متشدد وما هو دون ذلك، ولهذا البخاري رحمه الله يشترط في ذلك شروطًا لا يشترطها غيره كالإمام مسلم رحمه الله، ومعلوم الخلاف بينهما في مسألة اشتراط اللقي، فالبخاري رحمه الله يشترط في ذلك ثبوت اللقي، وأما الإمام مسلم رحمه الله فإنه لا يشترط ذلك، وإنما يشترط في ذلك المعاصرة وإمكان اللقي، فإذا كان ثمة إمكان فلا يلزم من ذلك ثبوت الالتقاء بالعين؛ لأن الأصل في الرواة الصدق، فإذا روى واحد عن واحد، ولم يثبت في ذلك تدليس فإنه يحمل حينئذٍ على السماع.
ونقول حينئذٍ: إن معرفة طالب العلم لمواضع البلدان، وكذلك الأزمنة والتاريخ، ومن اختص بالرحلة والانتقال، ومن لم يخرج من بلده، ومعرفة من عرف بالتدليس ومن لم يعرف، أن هذا مما ينبغي لطالب العلم التمييز بين مواضع التدليس، وكذلك التهم، وبين الرواية النقية التي لا يشوبها تدليس.
والتدليس في ذلك على مراتب، وقد صنف في ذلك غير واحد من العلماء، منهم من جمع الرواة المدلسين في مصنف، كما فعل ذلك الذهبي والحافظ ابن حجر.
... الأمور التي يحتاجها طالب العلم في أبواب التدليس
وطالب العلم في أبواب التدليس لا بد أن يكون عالمًا بأمور:
أولها: أن يكون ضابطًا للرواة الذين وصفوا بالتدليس، بحيث إذا نظر فيهم، أو مضوا عليهم في إسناد من الأسانيد أن يكون خبيرًا بهم.
ثانيًا: أن يكون عارفًا بصيغ السماع التي تحتمل تدليسًا، ومنها ما لا يحتمل التدليس، ومعلوم أن الراوي الذي يدلس إما أن يدلس بصيغة السماع، فيروي بعن أو أن أو قال، فهذا في الغالب عليه التدليس، ولكن إذا صرح بالسماع فالتدليس ينتقل من صيغة السماع إلى تدليسه في الراوي، فيذكر راويًا آخر شاركه في